Sign In
استثمار مهارات المرأة «المحــــــاربة» في إدارة التغيير وقيادته
 
 
 

​​إعداد/ د.أحمد زكريا أحمد​

في ضوء المتغيرات والتحديات الراهنة والمستقبلية التي تجتاح العالم المعاصر، ولا سيما إدارة المنظمات والشركات المختلفة؛ فإن الخبراء والمتخصصين يتفقون على أن إدارة التغيير هي الملاذ الآمن لمواجهة هذه التحديات. ويبدو أن هذا التغيير لن يصبح مجدياً بدون مشاركة المرأة التي تتمتع بالعديد من السمات؛ فهي "المحاربة"، وتمثل "الكتلة الحرجة" في مجالس الإدارة، وغيرها مما يؤكد تميزها في إدارة التغيير وقيادته على نحو أفضل وآمن. وهو الاتجاه المعاصر الذي تسعى المملكة العربية السعودية، إضافة إلى شقيقاتها من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى مواكبته؛ ترسيخاً لمرتكزات التنمية الإدارية، ومسيراتها التنموية الشاملة.​

التغيير واللمسة الأنثوية
دعونا في مستهل هذا التقرير نتفق على أن التغيير الإيجابي الذي طرأ على منظمات عالمنا المعاصر؛ كان أحد أبرز أسبابه العلاقة الوثيقة بين هذا التغيير وبين تمكين المرأة. فتشير "فارتيكا كاشياب" عبر موقع "ProofHub" إلى أنه بالرغم من أن العالم يشهد تنوعًا بين الجنسين في مكان العمل، فإن الإحصائيات تبرز كيف تؤدي النساء دورًا حاسمًا في أماكن العمل الحديثة. كذلك تضفين مهارات وأفكارًا فريدة في هذه الأماكن. كما يمكن أن تعمل اللمسة الأنثوية للمرأة والمهارات الناعمة الرائعة، والتعاطف، والتفاؤل، والحدس لصالح المنظمات التي تعمل فيها.
الشركات الأسيوية
وتبرز المدونة الإلكترونية لبنك التنمية الأسيوي "Blogs.adb" أن الشركات الآسيوية تطبق إدارة التغيير التي تجمع بين تمكين المرأة وزيادة الأرباح؛ لأنها تعي جيداً خلاصة ما انتهت إليه الأبحاث من نتائج وتوصيات مفادها: الاستثمار في النساء عمل جيد؛ لأن تعزيز المشاركة الاقتصادية للمرأة يؤدي إلى تحقيق عوائد أعلى للاقتصادات، وإلى تحسين حياة كل فرد في المجتمع. كذلك فإن وجود المزيد من النساء في مناصب صناعة واتخاذ القرار والابتكار الرئيسية يؤدي إلى تحول وتغيير مؤسسي وتنظيمي ثابت وقوي. وقد أظهرت الدراسات أن مسارات الحديث واتجاهاته تتغير بشكل كبير في مجالس الإدارة مع وجود "كتلة حرجة" من النساء داخلها؛ وبروز وجهات نظر جديدة حول التعاون الاستباقي والحلول المبتكرة للمشكلات.
السعوديات وإدارة التغيير
وقد واكبت المملكة العربية السعودية هذا الاتجاه الحضاري في إدارة التغيير بالنسبة لتمكين النساء السعوديات، سواء في نسب المشاركة أو توليهن المناصب القيادية في إدارة مختلف المنشآت والمنظمات. إذ عززت المرأة السعودية من وجودها في سوق العمل في المملكة خلال السنوات الماضية-بحسب صحيفة "الجزيرة"-بفضل الخطوات الاقتصادية والتنظيمية العديدة التي اتخذتها الجهات الرسمية، وشكلت حافزا ودافعا لها لتولّي زمام مقاليد العديد من المؤسسات والمنشآت داخل المملكة.
وتضاعفت مشاركة المرأة في الأعمال التجارية في السعودية في السنوات الست الأخيرة، لتحقق المملكة أسرع نسبة نمو في مشاركة المرأة في العالم، فقد قفزت نسبة المنشآت التي تقودها النساء في المملكة من 21,5% في 2016م لتبلغ 45% في 2022م من إجمالي الشركات الناشئة، وفقًا لإحصاءات رسمية.
7 سمات مميزة
وتلفت "كاشياب"-عبر موقع ProofHub-إلى ما خلصت إليه نتائج دراسة أجرتها شركة "Mckinsey&Company" عام 2018م أن النساء يبقين في الوظائف فترة أطول مقارنة بالرجال؛ وهو ما ينعكس إيجاباً على تقدم الأعمال التجارية والتكافؤ بين الجنسين. وفي هذا الصدد تتطرق "كاشياب" إلى 7 سمات مميزة للنساء تسهم في مجال التغيير في بيئة العمل وإدارته وقيادته بشكل متميز؛ باعتبارهن ماهرات، وتتمتعن باللباقة، والقوة في صناعة القرار، ولديهن تصميم عالٍ وعزيمة قوية. فدعونا نتعرف على هذه السمات، وذلك على النحو الآتي:
• التواصل الذكي: فالمرأة تستطيع بسهولة إقناع الآخرين، من خلال عدد من مهارات التواصل لديها، فهي مستمعة ممتازة، وتستوعب المعلومات بدرجة كبيرة، وتنتقي نبرة التواصل المناسبة للتحدث سواء للأفراد أو المجموعات.
• إدارة المهام بكفاءة: فالنساء أكثر تنظيماً من غيرهن، خصوصاً في حالة العمل ضمن فريق كبير. وهو ما يتضح في حالات الشركات التي تعاني من نقص في عدد الموظفين، فتقوم بإسناد مهام متعددة للنساء وتكليفهن بالقيام بأدوار مختلفة، تؤديهن بكفاءة وفي المواعيد المحددة.
• السيطرة الكبيرة على المشاعر: فهن أكثر صبراً من الرجال أثناء التعامل مع المواقف العصيبة؛ بسبب زيادة هرمون الإستروجين لديهن، وهو ما يجعلهن أكثر اتزاناً وهدوءً عند التعامل مع العملاء الغاضبين.
• التعاطف: تسمح الطبيعة العاطفية للمرأة بتفهم مشاعر الآخرين بشكل أفضل، إضافة إلى نجاحها في تكوين علاقات جيدة مع زملاء العمل؛ وكل ذلك يساعدها في القضاء على سوء الفهم واحتواء النزاعات في مكان العمل.
• القيادة الملهمة: فالنساء مجتهدات ومتحمسات ومحفزات للنجاح، مما يجعلهن ملهمات للآخرين، بل والعمل على تميزهم. كذلك تتحملن المسؤولية الكاملة عن تصرفاتهن، وتقدمن القدوة، ولا تنحرفن بالسلطات الممنوحة لهن عما هو محدد لها.
• روح الفريق: النساء تتميزن بالعمل معاً ضمن فريق بشكل ودي لتحقيق أهداف جماعية، وهو أمر مفيد للشركات الهادفة إلى وجود فرق عمل متماسكة ومتناغمة وتؤدي بشكل جيد.
• التنوع في مكان العمل: فوجود المرأة في مكان العمل يضفي نوعاً من التنوع المطلوب.
الكتلة الحرجة
ويبدو أن تولي المرأة المناصب القيادية-بحسب ما يذكره الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة-ولا سيما في حالات التغيير، يحظى بعناية خبراء العمل الأمميين الذين أشاروا في تقرير أممي شمل 13 ألف شركة في 70 دولة إلى أنه يمكن للشركات أن تحسِّن من أدائها وتحقق زيادة في الأرباح بنسبة تصل إلى 20% إذا أقدمت على التغيير ووظفت مزيداً من النساء في المناصب القيادية. وأما فيما يتعلق بالأرباح، فقد سجلت نحو ثلاثة أرباع الشركات التي تحافظ على التنوع في المناصب الإدارية بين الرجال والنساء زيادات تتراوح بين 5 و20% في أرباحها. بينما شهدت الغالبية من هذه الشركات نمواً يتراوح بين 10 و15%. ووفقاً لمنظمة العمل الدولية، فقد كانت نسبة مشاركة النساء في حوالي ثلث مجالس الشركات على مستوى العالم (30%)، وهي ما تسمى بـ"الكتلة الحرجة" التي تترك آثاراً جانبية على النتائج النهائية لالتحاق عدد أكبر من النساء بالإدارة العليا.
المرأة وقيادة التغيير
وفي ضوء ما سبق، يبدو أن لقيادة التغيير ودور المرأة في هذا المجال أهمية كبيرة، وهو ما تسلط عليه الباحثة بسمة الحسبان في بحثها المنشور بمجلة "العلوم الاقتصادية والإدارية والقانونية"، بعنوان: "دور المرأة في قيادة التغيير". فتستعرض الخصائص القيادية والمهارية اللازمة للمرأة واختلافها في الأسلوب القيادي، ودورها في قيادة التغيير، حيث تتمثل قدرة المرأة على قيادة التغيير المرغوب في المنظمة التي تتولى إدارتها من خلال قدرتها على ممارسة أدوار قيادية في برامج التغيير المطروحة، وقدرتها على خلق بيئة تنظيمية فاعلة، وتمتعها بقدرات ومهارات قيادية عالية. وجميعها يمكن أن تدعمها-بحسب البحث-خصائص القيادة الأنثوية، والتي هي عبارة عن مجموعة من الخصائص التي تتمتع بها المرأة حتى تتمكن من القيام بالدور القيادي المطلوب منها بكفاءة، والتي تتمثل في: تمتع المرأة بالإقدام والمتابعة والحزم لدعم تطور المنظمة ونموها والعمل على تطوير قدرات مرؤوسيها ومهاراتهم.
وتوصلت الباحثة إلى العديد من النتائج التي كان من أبرزها أن المرأة تتمتع بخصائص وصفات كافية تؤهلها للقيام بدور أساسي في قيادة عملية التغيير، ولها من القدرة على القيام بمجموعة من النشاطات المختلفة التي تقود نحو التغيير، سواء كانت تلك النشاطات مرتبطة بعملية المتابعة أو التطوير وغيرها من الأنشطة التي تقود نحو التغيير على مستوى المنظمات وغيرها.
وتختتم الحسبان بأهم استنتاجات البحث الخاصة بالمهارات القيادية للمرأة في مجال التغيير، والتي من بينها أن المرأة أكثر حذرًا ولكن جرأة وكفاءة في عملية اتخاذ القرار عن الرجل، وأكثر قدرة على تخطيط المستقبل، وأنها تلعب دورًا قياديًا في أكثر من موقع ومجال؛ وعليه يمكن أن توصف المرأة بالمحاربة فيما يختص بالمحاولة لتحقيق التكامل في جميع الأدوار التي تقوم بها وهذا ما يثري تجربة المرأة القائد. كما أن المرأة أكثر ميلًا إلى خلق علاقات إنسانية أكثر نجاحًا من الرجل داخل التنظيم.
القيادات النسائية والابتكار
ويضيف موقع "OSU.EDU" أنه بعد تعيين النساء في مناصب الإدارة العليا؛ تتغير طريقة تفكير الفريق بطريقتين، بحيث يصبح كلاهما: أكثر توجها نحو التغيير، وأقل بحثًا عن المخاطر. كذلك تحدث العديد من التغييرات في التفكير تتعلق بتغير المسار الذي تختاره الشركات لاحقًا لتجديد قدراتها الابتكارية الاستراتيجية، بعد أن أصبحت أكثر توجهاً نحو التغيير وتجنب المخاطر. فعقب تعيين مديرات تنفيذيات جديدات، فإن الشركات تهتم بقدراتها الابتكارية، وتحاول تقليص عمليات الدمج والاستحواذ القائمة على أساس تقني، وتستثمر بشكل أفضل وأكبر في مجال البحث والتطوير الخاص بأدائها وتنافسيتها.
رائدات الأعمال
وفي ضوء الحديث عن المرأة وقيادة التغيير في المنظمات والمنشآت المختلفة، نختتم هذا التقرير بما تشير إليه بيانات حديثة للهيئة العامة السعودية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة أن نسبة المنشآت التي تقودها النساء في المملكة تكاد تقترب من نسبة المنشآت التي يقودها الرجال، وهو ما يعكس تأثير الخطوات الاقتصادية الهادفة لتمكين المرأة.
وطبقًا لما أوردته صحيفة "الوطن"؛ فإن أبرز العوامل التي أسهمت في تحقيق هذا المسار الإيجابي لرائدات الأعمال أن الإصلاحات التنظيمية ركزت على تمكين المرأة في مكان العمل، وتشجيع رائدات الأعمال، وتوفير برامج تساعد في إمكانية الوصول إلى التسهيلات الائتمانية والتمويل، إضافة لبرنامج وصول الذي يوفر آليات دعم للمرأة العاملة، حيث يسهم في تغطية 80% من تكاليف النقل بين العمل والمنزل، وتمكين رائدات الأعمال من الدخول في قطاعات معينة وتحقيق نمو فيها.



التعليقات (0)
أضف تعليق



جميع الحقوق محفوظة: معهد الإدارة العامة