Sign In
"النقاط العمياء" تؤثر في قرارات وسلوكيات المديرين والموظفين
 
 
 

​​​

إعداد/ د.أحمد زكريا أحمد

هل توقفنا مع أنفسنا وتذكرنا يومًا ونحن نتدرب على قيادة السيارات، حيث التعليمات والنصائح الخاصة بالانتباه جيدًا للنقاط العمياء التي لا نستطيع كشفها أثناء عملية القيادة باستخدام المرايا بجانبي هذه السيارات؟ وأن عدم أخذها في الاعتبار لدى العديد من قادة السيارات ينتج عنها دائمًا اتخاذهم قرارات خاطئة قد تتسبب في حوادث قاتلة؛ لا لشيء إلا أنهم اعتقدوا أنه لا وجود لسيارات أخرى تسير بجوارهم، أي أنهم توهموا أنهم على حق. هذا بالضبط ما يمكن أن يرتكبه العديد من القادة الإداريين والمديرين والموظفين خلال ممارساتهم مهام وظائفهم؛ والنتيجة اتخاذ قرارات خاطئة وممارسة سلوكيات غير مرغوبة، إضافة إلى اعتقادهم الدائم أنهم أقل تحيزًا من الآخرين. في هذا التقرير نصحبكم للتعرف على هذه النقاط العمياء في عالم الإدارة.

أصل نفسي وطبي

توضح "ويكيبديا" مفهوم "النقطة العمياء" أنه نوع من التحيز المعرفي الذي يتعلق بإدراك تأثير التحيزات على إصدار الأحكام على الآخرين، بينما لا يوجد مثل هذا التأثير على إصدار الأحكام المتعلقة بالنفس. وتذكر الموسوعة أن "إميلي برونين"-المتخصصة في مجال علم النفس الاجتماعي بجامعة برينستون-وزميليها "دانيال لين" و"لي روس" هم الذين صاغوا مصطلح "النقطة العمياء" وابتكروه. وتجدر الإشارة إلى أن هذا المفهوم أو المصطلح (النقطة العمياء) تم استعارته من المجال الطبي؛ إذ أنه بحسب موسوعة "Britannica" عبارة عن جزء صغير من المجال البصري لكل عين يتوافق مع موضع القرص البصري (المعروف أيضًا باسم رأس العصب البصري) داخل شبكية العين، حيث لا توجد مستقبلات ضوئية (أي قضبان أو مخاريط) في هذا القرص، وبالتالي لا يوجد اكتشاف للصور في هذا المجال؛ فيصبح نقطة عمياء.

وفي ضوء ذلك فإن موقع "Taftcollege" يقرر أن تحيز النقطة العمياء هو الميل إلى رؤية الذات على أنها أقل تحيزًا من الآخرين، أو أن تكون قادرًا على تحديد المزيد من التحيزات المعرفية لدى الآخرين أكثر من الذات. كذلك يميل الناس إلى الاعتقاد بأنهم على دراية بـ "كيف؟" و"لماذا؟" يتخذون قراراتهم التي يرون أنهم اتخذوها بلا تحيز، وهو ما يترتب عليه أنهم من المرجح أن ينظروا لأنفسهم على أنهم صنَّاع قرار أفضل من غيرهم.

شركات الأدوية والأطباء

ويدلل موقع "Financial Express" على أثر النقاط العمياء بمثال رصده مقال "فيديا هاتانجادي" من المجتمع الأمريكي، من خلال تسويق شركات الأدوية، عندما يتلقى الأطباء هدايا من هذه الشركات، حيث يخبرون الآخرين بأن هذه الهدايا لا تؤثر على قراراتهم بشأن الدواء الذي يجب وصفه؛ لأنهم لا يملكون ذاكرة عن الهدايا التي قد تؤثر في عملية تحيزهم لوصف دواء أو أدوية معينة. وبالرغم من ذلك، فإذا سألتهم عما إذا كانت هذه الهدايا من الأدوية قد تؤدي إلى تحيز قرارات الأطباء الآخرين دون وعي، فسيوافق معظمهم على أن الأطباء الآخرين منحازون لا شعوريًا في قراراتهم؛ بسبب تلك الهدايا، بينما يصرون على أن قراراتهم ليست كذلك.

إدارة النقطة العمياء

وتؤكد "دوروثي دالتون"-الرئيسة التنفيذية لمؤسسة "3plus International" عبر موقعها على الإنترنت-أنه من غير المرجح أن تكون قادرًا على اكتشاف تحيزاتك. وهذا يعني أن هذه التحيزات تصبح أكثر رسوخًا ويصعب إدارتها. وتدلل على ذلك بما تشير إليه أبحاث "كارنيجي ميلون" أن شخصًا واحدًا فقط من بين كل 661 شخصًا يعتقد أنه أكثر تحيزًا من أقرانه. وتخلص "دالتون" إلى أنه يجب أن يكون تعلم كيفية إدارة تحيزاتنا وفهم تحيز النقطة العمياء بشكل خاص جزءًا من العمل الذاتي المستمر.

الهجين وتحيزات عمياء

وإذا أردنا تطبيق تحيزات "النقاط العمياء" في عالم الإدارة مؤخراً، سنجد ذلك ينطبق بشكل كبير-وفقاً لما أورده موقع "أرقام" المتخصص في الشأن الإداري-بشأن الجدل حول تفضيلات الموظفين والمديرين وقادة المنظمات فيما يتعلق بالجدل-عقب تفشي جائحة كورونا-حول نظام العمل إما عن بُعد، أو بالمكتب. فقد كشفت جميع الاستطلاعات الشاملة والمتعمقة من أوائل ربيع عام 2021م، والتي سألت آلاف الموظفين عن تفضيلاتهم بشأن العودة إلى المكتب بعد الوباء، عن رغبة قوية للعمل من المنزل بعد الجائحة على الأقل نصف الوقت، وذلك وفقا لأكثر من ثلاثة أرباع جميع المشاركين. وعلى صعيد آخر نجد أنه كثيرًا ما يعلن قادة الأعمال أن القوى العاملة هي أهم مواردهم، ومع ذلك، فإن القادة المعارضين للسماح بالعمل عن بُعد لا يلتزمون بهذا المبدأ، ويفعلون فقط ما يشعرون بالراحة تجاهه، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير معنويات الموظفين ومشاركتهم وإنتاجيتهم. الأكثر من ذلك، أنهم (المديرين) يضغطون في هذا الاتجاه حتى لو أدى إلى تقويض-بشكل خطير-القدرة على الاحتفاظ بالموظفين وتعيين جدد، والإضرار بالتنوع والشمول. وفي النهاية، يمثل سلوكهم تهديدًا كبيرًا للأداء.

لذلك فإن هذا الجدل والتهديدات أدت إلى تبني العديد من المؤسسات لنظام العمل الهجين الذي يجمع بين تشغيل الموظفين من المنزل لبعض الوقت ومن ثم استدعائهم إلى المكاتب، أو قد يتم ذلك عن طريق تشغيل بعضهم باستمرار من المنزل مع الإبقاء على الآخرين في المكتب، أو ربما مزيجًا بين هذا وذاك، المهم أنه يجمع بين العمل من المنزل ومن المكتب، كما هو مُتبع في العمل بمصرف "دويتشه بنك"، وشركات المحاسبة الكبرى في بريطانيا، مثل "إرنست يونج" و"كيه بي جي" و"برايس ووتر هاوس كوبرز".

والخلاصة أنه بعد إجراء مقابلات مع 61 من القادة من المستويين المتوسط والكبير حول هذا السؤال في 12 شركة ساعدت في تطوير نهج استراتيجي للانتقال مرة أخرى إلى المكتب؛ يظهر سبب مقاومتهم الخيار الأفضل الذي يبدو واضحًا، وهو التحيزات المعرفية التي هي عبارة عن نقاط عمياء ذهنية تؤدي إلى ضعف اتخاذ القرارات الاستراتيجية والمالية، لكن لحسن الحظ، فمن خلال فهم هذه التحيزات المعرفية واتخاذ خطوات قائمة على البحث لمعالجتها، يمكن اتخاذ أفضل القرارات.

الخلاف ووهم "بيرز"

ويبدو أن الخلافات والجدل بين الموظفين ومديريهم وقادتهم هو الوضع الأمثل لبروز الدور الخطير لتأثير النقاط العمياء، إذ ترى منيرة السبيت في مقال لها بموقع صحيفة "اليوم" أنه عندما يختلف المرؤوس مع قائده على إجابة معينة أو يشاركه حلاً آخر؛ يصبح الوضع غير مريح للقائد أو المرؤوس أو كليهما، وقد يفشل واحد منهما في فهم الآخر فيحصل الخلاف؛ ويؤثر ذلك على الجميع والمنظمة بأكملها. وتتساءل: لماذا يحصل هذا النوع من الخلاف؟ وهو ما تجيب عنه بصفة عامة في حال معرفة القائد جيداً نفسه وإمكاناته وقدراته وتطوير الوعي الذاتي لديه ويدرك الجوانب الداخلية لطبيعته. وتسلط السبيت الضوء على "شارلوت بيرز"-الرئيسة السابقة والرئيسة التنفيذية لشركة "Oglivy & Mather Worldwide" عندما أصبحت مشرفاً إدارياً لأول مرة، اعتبرت نفسها قائدة ودودة ومتفهمة. صُدمت عندما أخبرها أحد أصدقائها أن أحد زملائها وصف أسلوب إدارتها بأنه "تهديد". فقد كان هذا التعليق مدمراً لـ"بيرز"؛ لأنه كان عكس الطريقة التي تفكر بها عن نفسها تماماً. وترى منيرة السبيت أن هناك الكثير من القادة مثل "شارلوت بيرز"، لديهم نقاط عمياء تمنعهم من رؤية ما عليه بالفعل وتأثير أسلوب تفكيرهم وسلوكهم على الآخرين. والنقاط العمياء بشكل عام هي الأشياء التي لا يدركها القائد أو لا يدرك أنها مشاكل، وهي التي تحد من فاعليته وتعيق نجاحه الوظيفي، بغض النظر عن مواهبه ونجاحاته القوية.

4 أنواع و10 اعتقادات

وتصنف دراسة "د.كارثيكيان" أنواع النقاط العمياء لدى القادة الإداريين إلى 4 أنواع رئيسية، كالتالي: النوع الأول عبارة عن نقاط عمياء تخاطبية تتعلق بالتواصل الحواري مع الآخرين وزملاء العمل، كافتراض أن الآخرين يرون ما نراه، ويشعرون بما نشعر به، ويفكرون فيما نفكر فيه. ويتمثل النوع الثاني في النقاط العمياء النفسية أو السيكولوجية، والتي تتعلق بعدد من الجوانب المخفية داخل شخصية الإنسان كالنواحي اللاإرادية والاستدلالات. ويتحدد النوع الثالث في النقاط العمياء الخاصة بعملية التحيز وأن القادة يعتقدون أنهم أقل تحيزاً من الآخرين وهو الأمر الذي ربما لا يكون حقيقياً بالمرة؛ وهو ما يمكن أن تكون أسبابه متنوعة كخداع النفس وتحيز تعزيز الذات وأحكام ذاتية تقرر أن الإنسان عقلاني وأنه أفضل من الآخرين. بينما النوع الرابع من النقاط العمياء يرتبط بالمواقف من الأحداث والآخرين.

وفي السياق ذاته هناك 10 اعتقادات تمثل نقاطًا عمياء-بحسب "ماريسا ليفين"-أوردها موقع "Inc.com"، كالآتي: الخوف من طلب المساعدة، وألا تكون غير مدرك لسلوكك تجاه الآخرين، وأن تعتقد أن تقييماتك هي الأفضل دائمًا، ولعب دور الضحية من خلال لوم الآخرين والظروف، والاعتقاد بوجود صراع بينك وبين الآخرين، وعدم احترام وقت الآخرين، والتآمر على الآخرين وفق أهواء ودوافع شخصية، والابتزاز العاطفي، وعدم اتخاذ مواقف، والتسامح بشكل مبالغ فيه.

3 احتمالات

وأخيرًا، تتطرق دراسة "إيرين سكوبيليتي" وآخرون إلى العلاقة بين النقاط العمياء وعملية اتخاذ القرارات الإدارية، والتي تظهر من خلال 3 مستويات محتملة، أولها أنه قد يكون الأشخاص الأقل قدرة على اتخاذ القرار أقل وعيًا بتحيزهم الخاص، وبالتالي ربما يكونون أكثر عرضة لتحيز النقطة العمياء. وثانيها قد يقوم الأشخاص بتقييم درجة تحيزهم بدقة مقارنة بأقرانهم، بعبارة أخرى، قد يكون الأشخاص الذين يعتقدون أنهم أقل تحيزًا من أقرانهم (أولئك الذين يتمتعون بدرجة عالية من التحيز في النقطة العمياء) على صواب. وثالثًا، قد لا تكون القابلية للتأثر بالنقاط العمياء للتحيز غير مرتبطة بالقدرة العامة على اتخاذ القرار، وهو ما يبدو جلياً لدى الأشخاص الذين لم يتم تدريبهم على صنع القرار، وبالتالي ليسوا على دراية بالتحيزات الشائعة في التفكير والحكم. 

التعليقات (0)
أضف تعليق



جميع الحقوق محفوظة: معهد الإدارة العامة