Sign In
نظرية العدالة التنظيمية وفلسفتها الإدارية
13
 

​ركزت العديد من الأبحاث والدراسات الحديثة على تناول سلوك الأفراد داخل المنظمات؛ باعتباره مسألة جوهرية في علم السلوك التنظيمي ولذلك اعُتبرت العدالة التنظيمية (Organizational Justice ) من أهم النظريات في دراسة سلوك الفرد في المنظمة؛ نظراً لما تشتمل عليه من انعكاسات على مستوى إشباع الفرد لحاجاته وتوقعاته التي يطمح إليها، فضلاً عن كونها تشكل بعداً مهماً لدافعية الفرد نحو الإنجاز وشعوره بالرضا والاستقرار مما يمكن من خلاله القول إن العدالة التنظيمية تؤثر في توجه الفرد نحو تحقيق أهداف المنظمة بجودة وفعالية واقعاً لا تنظيراً، لذلك جاءت أهمية استثمار الموارد البشرية  كأساس في إدارة المنظمات وترتكز أهمية الموارد البشرية على اعتبارها الروح ومحرك حياة  المنظمة للقيام بجميع الواجبات والوظائف المطلوبة وطموحات الحكومات لتحقيق الإنجاز بعدل. فرأس المال البشري لا يقل أهمية عن المال المستثمر لذلك وجب توظيفه بطريقةٍ مناسبة؛ حتى ينعكس على الإنتاجية وجودة الأداء ومهما أجادت المنظمة في تطوير هيكلها التنظيمي دون اعتبار للعنصر البشري؛ فإن ذلك سيكون مدعاة للانحدار والفشل والخسارة بوجه عام.

لذلك برز دور أهمية الاهتمام بسلوك الأفراد في المنظمات؛ باعتبار أن تحفيزهم وتنمية مهاراتهم والعدالة بينهم في ظل بيئة عمل مستقرة يعتبر أساساً جوهرياً لنجاح المنظمات في تحقيق أهدافها المنشودة، لذلك لم يكن من المستغرب أن نجد دولة صغيرة مثل اليابان استطاعت أن تنهض من الحرب والكوارث التي ألمًت بها خلال وقت وجيز؛ بفضل اهتمامهم بالسلوك الذي يحفز الفرد داخل المنظمات الحكومية والخاصة وأصبحت مثلاً يحتذى به في مجال تطبيق نظرية العدالة التنظيمية.

ويعتمد مفهوم العدالة التنظيمية في الأساس على الجانب الاجتماعي أو ما يعرف بالمقارنة الاجتماعية، حيث يقارن الفرد ما يحدث له في المنظمة بالآخرين من زملائه. وتعود جذور هذه النظرية إلى منتصف القرن السادس عشر في دراسات قام بها علماء القانون والإدارة "جيرنبرج"، و"بارون"، ومناداتهم بالمساواة التي تقوم على عدالة التوزيع، من حيث مقارنة الفرد مدخلاته من أعمال وخبرات يؤديها بما سيحصل عليه من مخرجات) أجور ومكافآت وامتيازات) مقارنة بغيره من الزملاء. فإذا شعر بتساوي معدل المدخلات والمخرجات مع غيره فهذا سيدفعه لزيادة الإتقان ويشكل له حافزاً للعمل، بينما يحدث العكس في حال الشعور بعدم المساواة؛ مما يترك أثراً سلبياً على العمل ويولد شعوراً باللامبالاة  وعدم احترام الفاسدين  في ظل غياب عدالة التوزيع والتقدير، وبالإضافة لبعد عدالة التوزيع فإن هناك بعداً آخر لمفهوم العدالة التنظيمية ومصدره علم القانون، حيث إن العدالة هنا تكون اجرائية وذات شقين، أولهما إجرائي هيكلي وهو يعني إحساس الفرد بعدالة هيكلة القرارات وعدم التحيز في تحديد السياسات والمكافأة، أما الشق الآخرف يشتمل على عدالة المعاملة حين تطبق هذه الإجراءات والقوانين؛ وبالتالي يمكن تلخيص محددات العدالة التنظيمية بثلاثة محددات هي: عدالة في التوزيع، وعدالة الإجراءات، وعدالة التعاملات.

وقد أكدت العديد من الدراسات الحديثة على أن من السلوكيات التي تتأثر بشكل مباشر باستشعار العدالة التنظيمية ما يسمى "سلوك المواطنة التنظيمية" الذي يعد سلوكاً طوعياً يبرز فيه الاستعداد للعمل وبذل الجهد أكثر مما هو مطلوب ومحدد وفق المهام الوظيفية، ويأتي هذا السلوك كأثر لاستشعار وتوقع المعاملة العادلة في المنظمة، ومن أمثلة سلوك المواطنة التنظيمية: مساعدة زملاء العمل، وتجنب إثارة الشكاوى، وعدم تعطيل العمل، والحرص على نجاح المنظمة، وغيرها من السلوكيات، والتي تتفق جميعها مع رؤية بلادنا الغالية 2030 التي تركز على اعتبار العدالة التنظيمية عنصراً مهماً ومؤثراً في عمليات الإدارة ووظائفها. إذ يُنظر إليها كأحد المتغيرات ذات العلاقة بكفاءة الأداء الوظيفي، فهي تؤثر على نجاح المنظمات وقدرتها على تحقيق أهدافها بكفاءة واقتدار وجودة، وإيجاد مناخ تنظيمي مستقر وعادل بين أبناء الوطن والعاملين في المملكة العربية السعودية من جميع دول العالم، بل إن مضامين الرؤية المباركة ذهبت إلى محاسبة المسؤولين في المنظمات الحكومية والخاصة ومجازاتهم عند عدم تحقيق ذلك وفقا لمبدأ سيادة القانون على الجميع دون استثناء.

وقد ازداد التركيز في هذه الفترة على دراسة موضوع العدالة التنظيمية؛ من خلال دعوات كثير من العلماء الذين كتبوا في مجالات الإدارة ووظائفها ونظرياتها ومداخلها، فالمدرسة العالمية اتخذت من العدالة والمساواة مبدأً من مبادئها، حيث ركزت المدرسة السلوكية وأكدت على مبدأ التوازن ودعت إلى التبادل العادل بين الفرد والمنظمة، حيث إن غياب شعور الإحساس بالعدالة يكون مدعاة إلى قيام الصراع السلبي في المنظمات؛ مما يؤثر على التنمية المستدامة ويزيد من انتشار الفساد المالي والإداري ويعزز خطر تنامي "اللوبيات" الوظيفية.

وقبل كل ما سلف من نظريات نجد أن قيم العدل والمساواة برزت كقيم إسلامية لها مكانتها العالية في الشريعة الإسلامية، فالعدالة هي المقصد الأول والأساس العظيم والمتين لبناء المجتمع الإسلامي، فالعدل اسم من أسماء الله الحسنى وصفة من صفات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وممارساته كلها وصحابته من بعده رضوان الله عليهم أجمعين.

ولم يقتصر العدل في المنظور الإسلامي الراقي على أفراد المجتمع المسلم فحسب، بل تجاوز ذلك إلى العدل حتى مع الأعداء، فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿٨﴾سورة المائدة.​​

التعليقات (0)
أضف تعليق



جميع الحقوق محفوظة: معهد الإدارة العامة