Sign In
مؤسسات التعليم العالي و الأمن الفكري الشامل
13
15/07/1439

​​​​تعد ميزة الأمن المجتمعي واستقراره من أعظم وأهم النعم التي يُنعم بها الخالق عز وجل على الناس؛ فيحيون في ظل الأمن والأمان حياةً مستقرةً وسعيدةً وهانئةً ينعمون خلالها بالطمأنينة والاستقرار وممارسة حياتهم في طرق التطوير لمجتمعهم؛ لذلك عُد الأمن المجتمعي من أهم وأبرز مقتضيات الحياة الحرة المبدعة التي هي مطلب المُجتمعات والأفراد في كل زمانٍ ومكانٍ على مستوي المعمورة. وباعتبار شمولية مفهوم الأمن العام لمختلف مناحي الحياة الدينية، والدنيوية؛ تأتي ضرورة توافر الأمن الفكري كعنصر يُعد أبرز وأهم العناصر التي تندرج تحت مفهوم الأمن العام الكامل الذي لا تستغني عنه المجتمعات؛ فهو بنيان رئيس تعتمد عليه جميع الدول في جميع العصور قديماً وحديثاً؛ وذلك لبناء مجتمعاتها بشكل سليم مع تحقيق جوانب التطور المحقق للخير والرخاء والتقدّم لمواطنيها. مما سلف يتضح لنا أن الأمن الفكري مسألةٌ جوهريةٌ وواجب وطني يهم جميع أفراد وفئات المجتمع؛ وبالتالي فهو قضيةٌ رئيسة يقع واجب توفيرها على جميع الفعاليات والمرافق الاجتماعية ومن ذلك المؤسسات التربوية العامة والخاصة في المجتمع، ولذلك يجب أن تُسهم جميعها في تحقيق تلك السبل بشكل يضمن نجاح أهدافها المرجوة وغاياتها المنشودة؛ وذلك لما للأمن الفكري من أهمية في استقرار الحياة الفردية أو الجماعية.

ويعزز ضرورة وجوب تحقيق الأمن الفكري الشامل وتعزيز الهوية الوطنية ما حدث من الأعمال الإرهابية المؤلمة والمنحرفة عن المنهج الصحيح التي وقعت ، ولازالت تقع في مختلف دول العالم، واكتوينا بنارها في بلادنا العزيزة ، التي تؤكد وتدق ناقوس الخطر وتعطي مؤشرات لحجم الأخطار التي ربما انزلق فيها أبناؤنا وفلذات أكبادنا، والتي يعمل مروجوها على استخدام العنصر البشري كوقود وحطب لها، وخاصة الشباب منهم، من خلال الترويج لأفكار ومناهج مخالفة وبعيدة كل البعد عن تحكيم الشريعة الوسط، والسنة النبوية المطهرة لخير البشر رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .وفقا لذلك يبرز دور جهات التعليم العالي كأحد أبرز المؤسسات والفعاليات العلمية والتربوية التي تحوي داخلها أهم فئات المجتمع، وهم الشباب الذين هم في أخطر وأهم مراحلهم السنية الذين يحتاجون خلالها لمزيد من الرعاية وضرورة العلم بمفهوم الأمن الفكري واستيعابه، وتنويرهم من أجل العمل على تحويله من مجرد مفهومٍ يحكى وأماني إلى واقعٍ عمليٍ وسلوك يعيشه الجميع في المجتمع، وينعُمون به؛ ذلك لكون خدمة المجتمع حديثاً هي إحدى أبرز الوظائف الرئيسة لتلك الجهات التعليمية التي يقع عليها واجب توفير المنطلقات والأسس الفكرية  لتحقيق الأمن الفكري المجتمعي، وأُسسه، وأهدافه، ومضمون محتواه، وسبل تحقيقه، وكيفية تقويم فعاليته كدور تربوي ووطني يقع على عاتقها؛ للوصول للأمن الفكري الشامل. وتبرز أهمية دور المؤسسات التربوية والتعليمية في تحقيق وحفظ الأمن العام، وضرورة المشاركة مع كافة فئات المجتمع وأفراده بفعالية في حفظ الأمن، وقد أظهرت الدراسات العلمية الحديثة أن مرتكز تحقيق الاستقرار والأمان لتوفير حفظ الأمن الشامل في المجتمع يتم من خلال توعية وتعليم الناس بعلوم الشريعة الاسلامية الصحيحة المأخوذة من كتاب الله سبحانه وتعالى والسُنَّة النبوية المطهرة، وفي حالة تقصير تلك المؤسسات في أداء دورها، ومجرد اعتمادها في طريقتها ومنهجها على الحفظ المجرد، والاسترجاع، والتلقين؛  يمكن أن يؤدي ذلك إلى اختلال مقومات الأمن الفكري وضعفه في المجتمع العلمي داخل المحيط الجامعي؛ مما يؤثر على المجتمع ككل. فالمؤسسات التربوية والتعليمية توفر بيئة خصبة تؤدي إلى تحصين وزيادة الوعي الأمني الشامل، وذلك عن طريق تعليم الناشئة القيم والمعايير المجتمعية المعتدلة، وتحديد الاتجاهات الاجتماعية المتجددة بنظام دقيق ومنضبط. كما أن تلك المؤسسات إن أحسنت أداء دورها؛ سوف توفر عادة اعتماد الطلاب على النفس، وإبراز عوامل التنافس الشريف، وتحمل المسؤولية الاجتماعية، والتعويد على احترام وتقدير النظام، والتعرف على الحقوق، والواجبات، وتوفير مقومات العمل بروح الفريق الواحد لخدمة المجتمع والحفاظ على الأمن. كما أن غرس الوعي الأمني لدى الطلاب عن طريق المناهج الدراسية يعد أحد أهم أدوارها المجتمعية، وكذلك عن طريق النشاط الطلابي غير المنهجي.

ويمكننا أن نخلص إلى أن توفير الأمن الفكري للمجتمع أهم وأبرز مقومات ومستلزمات التحصين والوقاية من عوامل الانحراف الفكري الذي يجب مواجهته ومُعالجة أسبابه؛ حتى نصل إلى حماية شاملة للأمن الوطني والإقليمي والدولي من مخاطرة. وكذلك فإن المسؤولية الأمنية تعتبر مسؤولية جميع أفراد المجتمع، كما تعد مسؤولية كل مؤسساته الرسمية وغير الرسمية، وأهمها الجامعات، وكذلك المؤسسات التربوية والتعليمية الأُخرى، مع ملاحظة أن القسم الأكبر والأهم من المسؤولية في تحقيق وتوفير الأمن الفكري يقع على كاهل الكوادر العلمية، وقادة الفكر، والرأي-لاسيما في الجامعات-وأن عليهم مسؤولية توظيف واستعمال مستجدات المعرفة الفكرية والبحث العلمي؛ وذلك لتحقيق الأمن الوطني الشامل والذي بدونه لن ينمو المجتمع , وتبرز أهمية دور الفعاليات و المؤسسات التربوية و التعليمية في حفظ الأمن العام الشامل، وذلك بالتركيز على تنمية الوعي الأمني عن طريق تعزيز وتعليم الناشئة للقيم والمعايير الاجتماعية، وبناء الاتجاهات والأدوار الاجتماعية الحديثة بكل دقة وبشكل منضبط ومنظم.

وللوصول لتحصين فكر الناشئة يجب على جهات التعليم العالي أن تشجع وتدعم الدِّراسات والبحوث في مجال الأمن الفكري، وكيفية ترسيخ مقوِّمات الأمن المجتمعي، وأن يتم ذلك بالاعتماد على ضوابط ومعايير دقيقة؛ ترتكز على  التأكيد على أهمية بحث كل العوامل الجوهرية المعززة والمهددة للأمن الفكري والوطني، مع الأخذ في الاعتبار مراعاة مختلف العوامل الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والإعلامية، والسياسية، وضرورة إبراز كافة المقوِّمات والمتطلبات المعززة  للأمن الفكري وعرض العوامل والمعطيات المساعدة على نشره وبثه بين كافة فئات المجتمع. فمن مزايا نشر وحماية الفكر لدى الناشئة جعلهم قادرين على معرفة مناهج ومصادر الفكر المنحرف، مع الإلمام بأسباب انتشاره ومحاذير الانجذاب له ولقادته، وكيفية الابتعاد عنه، ويمكن لتلك الجهات العلمية تركيز البحث؛ لتوفير مدخل علمي لنظرية حديثة تستوعب فهم ظاهرة التكفير والتطرُّف والغلو بمفهومها الشامل ومدى تأثيرها على استقرار وأمن المجتمع، مع ضرورة بحث ظاهرة الإرهاب والانحرافات الفكرية واعتبارها ركائز أساسية وجوهرية لصياغة وتبني أي إستراتيجية علمية لمكافحة الغلو والتطرف.

وختاما، يمكن القول إن توفير حماية الفكر المعتدل لدى الناشئة يعد من أبرز معززات الأمن الشامل في جميع المجتمعات؛ حيث من شأنه بث ونشر ثقافة التعايش والائتلاف وفقه الاختلاف بين الناس واعتباره سنة ومنهجاً اجتماعياً في حياة المجتمعات والشعوب، ويمكن تعزيز ذلك من خلال منظمات المجتمع المدني. ويقع الدور الأكبر على جهات التعليم العالي كدور وطني حديث كما ذكرنا؛ ويتحقق ذلك بتوفير عدة عناصر منها: تشجيع حلقات النقاش وورش العمل التدريبية بين الطلاب في كافة مراحل التعليم داخل المحيط الجامعي، مع ضرورة إعداد وتنفيذ المحاضرات والندوات العلمية التي تتناول موضوع الأمن الفكري وأهميته، والحرص على تفعيل وتعزيز دور وسائل الإعلام والوسائط الإلكترونية الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة؛ وذلك لنشر الفكر الآمن المعتدل، والتحذير من كافة مسببات وعوامل الفكر الضال والمنحرف.

التعليقات (0)
أضف تعليق



جميع الحقوق محفوظة: معهد الإدارة العامة