في الوقت الذي تُبذل فيه الجهود لتحسين بيئات العمل ورفع الإنتاجية، تظل ظاهرة التنمر الوظيفي واحدة من أبرز التحديات الخفية التي تُقوّض الروح المعنوية وتدفع بالكفاءات نحو الاستقالة أو الانعزال المهني.
التنمر الوظيفي
ويعرف التنمر الوظيفي بأنه مجموعة من السلوكيات العدائية المتكررة التي يمارسها المدير أو الزملاء ضد موظف أو مجموعة موظفين، بهدف السيطرة أو الإقصاء أو الإيذاء النفسي، باستخدام السلطة أو النفوذ بشكل مسيء، ومن أبرز أشكاله:
١- التحقير المستمر من جهود الموظف.
٢- التجاهـل المتعمد وعدم منحه الفرص.
٣- تحـمـيـله أخـــطاء الآخـريـن.
٤- التقيــيمـات السـلبية غيــر العادلة.
٥- التهديد المبـاشـر أو غيــر المباشر.
اضطراب وتراكمات نفسية
ويوضح الكثير من الخبراء أن التنمر الوظيفي غالبًا ما يصدر عن شخصيات مضطربة تحمل في داخلها رواسب من التنمر السابق الذي تعرّض له المتنمر في مراحل الطفولة أو التعليم، ليُعيد إنتاجه لاحقًا بشكل تسلطي ضد من هم أضعف سلطة منه في بيئة العمل، وأن التنمر يؤدي إلى تحول بيئات العمل إلى مساحات طاردة للمواهب، حيث يضطر الكثير من الموظفين إلى ترك وظائفهم هربًا من الأذى النفسي كما ينعكس سلبًا على أداء المنظمة، ويضعف الولاء الوظيفي ويزيد من نسب الغياب المرضي والاستقالات.
خطورة
ويعد انتشار ظاهرة التنمر الوظيفي داخل بيئات العمل بمثابة سلوك اضطرابي متجذر في الشخصية، يمارسه بعض أصحاب القرار أو القيادات ضد الموظفين، ما يحوّل المنظمات إلى بيئات طاردة، تنفر الكفاءات وتضر بمناخ العمل الصحي، وهذا السلوك لا ينشأ من فراغ، بل يعود غالبًا إلى تجارب تنمر سابقة عاشها الشخص في مراحل مبكرة، سواء في المدرسة أو في البيت، فتتشكل لديه شخصية مشوشة تُعيد إنتاج الألم على الآخرين بأسلوب سلطوي وانتقامي، تحت غطاء المنصب أو الصلاحيات، وبعض الشخصيات المتنمرة تُرهب الموظفين بشكل ممنهج، وتدفعهم إلى الهروب الوظيفي أو حتى المكاني، حيث يتجنب بعض الضحايا العودة إلى أماكن العمل السابقة أو حتى التواجد في نطاق جغرافي قريب منها، لما يحملونه من تجارب مؤلمة وذكريات قهرية.
ضعف الإدارة يغذي
ويشير الباحثون في الإدارة أن ضعف الكفاءة الإدارية يزيد من حدة التنمر، إذ تغيب الرقابة، وتُمارَس السلطة دون عدالة، ويُعاقب المبدعون بدلاً من مكافأتهم، كما أن غياب اللوائح الواضحة والمعايير السلوكية داخل المنظمات يجعل الموظف الضحية في موقف العاجز عن الدفاع عن نفسه، مؤكدين أن على الموظفين عدم الخنوع أمام المتنمرين، بل مواجهة السلوكيات المسيئة عبر القنوات الإدارية والنظامية، وطلب الدعم من إدارة الموارد البشرية أو الجهات الرقابية مع أهمية إقامة دورات تدريبية في الذكاء العاطفي والسلوك القيادي للحد من هذه الظاهرة، وتفعيل دورات تدريبية وسلوكية دورية في بيئات العمل، تستهدف رفع وعي القادة والموظفين على حد سواء، حول أخطار التنمر الوظيفي، وأثره السلبي على الإنتاجية والاستقرار المؤسسي.