الـ"Dead Horse"فخ يستنزف الموارد وفشل المنظمات وفرق العمل والموظفين

​إعداد/ د.أحمد زكريا أحمد

يلخص "هنود داكوتا"-السكان الأصليين-بالولايات المتحدة حكمةً استخلصوها من تجاربهم، في قولهم المأثور: "عندما تكتشف أنك تركب حصانًا ميتًا Dead Horse، فإن أفضل استراتيجية هي النزول عنه". ولا تزال هذه الحكمة تحكم إدارة ومسيرة وأداء المؤسسات والشركات ومختلف الجهات، وموظفيها، وفرق العمل فيها. ويمكن تبسيط المقصود بهذا الحصان الميت في عالم الإدارة والأعمال والمال-طبقاً لموقع Medium-بأنه يشير إلى مشروع أو نمط أدائي معين تنتهجه شركات معينة، ونظراً لتدني الأداء والنتائج المتحققة؛ فإنه لم يعد قابلاً للاستمرار، بغض النظر عن مقدار الجهد المبذول، والتدابير، ومعالجة أوجه القصور. فقد يكون هذا بسبب التغيرات في السوق، أو زيادة المنافسة، أو ببساطة سوء التنفيذ؛ فأياً كان السبب، فإن النتيجة هي نفسها: أنت تستنزف استثمار الوقت والموارد في شيء محكوم عليه بالفشل.

إصرار على الفشل

تؤكد "Harvard Business Review  بالعربية" أن مصطلح الـ"Dead Horse" أو الحصان الميت يستخدم لوصف عقلية الإصرار بعض الشركات على اتباع حلول غير واقعية تزيد من تعقيد المشاكل بدلاً من حلها، والتمسك باستراتيجيات غير فعالة لإنقاذ المشاريع الفاشلة، حيث تتجلى في مشروع يستنزف موارد الشركة، أو سياسة إدارية قديمة، أو منتج لم يعد يلبي احتياجات السوق، أو الاستمرار في أنماط عمل تقليدية لا تتوافق مع عصر التحول الرقمي. وبدلاً من الاعتراف بالخطأ والتخلي عن المشروع الفاشل، تعمل الشركة على زيادة الموارد المخصصة له أو الاستعاضة عن فريق العمل الحالي بفريق آخر أو توفير تدريب إضافي للموظفين العاملين فيه، أو تشكيل لجان لدراسة المشروع وتقديم توصيات.

"كوداك" و"بلوكبستر"

ومن الأمثلة الأكثر تداولاً في هذا الشأن-بحسب Medium-شركة "كوداك" التي وقعت فريسة لنظرية الحصان الميت. فقد كانت "كوداك" ذات يوم اللاعب المهيمن على سوق التصوير الفوتوغرافي بالأفلام، ولكن مع بروز التصوير الفوتوغرافي الرقمي وهيمنته على زمام الأمور، فشلت الشركة في التحول والتكيف مع المشهد المتغير. وحاولت "كوداك" بجهود مستميتة إثبات تواجدها في سوق المنافسة؛ فقامت بضخ الموارد في أعمالها السينمائية، حتى بعد أن أصبح من الواضح أن السوق تبتعد عن الأفلام. وبمرور الوقت، وتوالي الفشل وتدني الأداء وعدم تحقيق النتائج المرجوة؛ اعترفت كوداك-أخيرًا-بأهمية التحول، ولكن بعد فوات الأوان؛ فقد أعلنت الشركة إفلاسها في عام 2012م.كذلك شركة Blockbuster، عملاق تأجير الفيديو السابق، والتي اتسم إيقاع أدائها بالبطء وعدم التكيف مع متغيرات سوق المنافسة وصعود خدمات البث والتأجير عبر الإنترنت، واستمرت في الاستثمار في متاجرها التقليدية حتى مع ابتعاد عملائها عن الوسائط المادية؛ مما أدى لاستنزاف مواردها؛ وعجزت في نهاية المطاف عن إدراك التحول إلى نموذج عمل جديد، فكانت نهايتها المحتومة، وهي السقوط والخروج من سوق المنافسة.وفي ضوء ذلك؛ فإن نظرية الحصان الميت تُعد بمثابة تذكير قوي بأنه من المهم أن تكون استباقيًا بشأن إدراك متى يصبح المشروع أو نهج الأداء الذي تتبعه لا يحقق الأداء المرجو ولا يحقق النتائج المتوقعة، من خلال البقاء على دراية بالتغيرات في السوق، ومراقبة المقاييس الخاصة بك، وتقليص خسائرك عند الضرورة، والانفتاح على تغيير رؤيتك؛ الأمر الذي يتيح لرواد الأعمال والمديرين التنفيذيين تجنب الوقوع في نفس الفخ الذي وقعت فيه العديد من الشركات الأخرى من قبلهم.

ضرب بلا جدوى

وفي محاولات للتصدي لظاهرة الحصان الميت، من خلال ضربه (المقصود اتخاذ إجراءات وتدابير واتباع استراتيجيات وسياسات معينة)؛ لإمكانية إعادة الحياة له، بالرغم من أن الخبراء والمتخصصين يتفقون على أن هذه المحاولات غالباً ما تصبح بلا جدوى.وتجدر الإشارة إلى أن أصل ما يعُرف بـ"ضرب الحصان الميت" يعود-بحسب موقع gingersoftware-إلى منتصف القرن التاسع عشر، عندما كان يتم ضرب الخيول لجعلها تسير بسرعة أكبر. إلا أنه في حالة الحصان الميت سيكون ضربه بلا جدوى؛ لأنه لن يتمكن من النهوض واستعادة حيويته لمواصلة السباق. ويبدو أن هذا النمط من التعاطي مع هذا التدني في الأداء قد تنبه البعض إلى عدم جدواه في إدارة حملات المشاريع والشركات وريادة الأعمال؛ إذ إنه في عام 1859م ذكرت صحيفة لندن Watchman and Wesleyan Advertiser: "كان من المعروف أن السيد "برايت" غير راضٍ عن حملته الإصلاحية الشتوية، حيث تخلى عن جهوده لمواصلة هذه الحملة، بل وسخر من أدائه هذا الذي كان أشبه بضرب حصان ميت".

3 تكنيكات

وبالرغم من ذلك، يقترح "مايك كوتسيس"، عبر موقع eosworldwide اتباع فرق العمل 3 تكنيكات فعالة للتوقف عن ضرب الحصان الميت، تماماً كما هو متبع في شركته eos، وهذه التكنيكات هي:

- اتباع مسار حل المشكلات: يعد أسلوباً أكثر فعالية لمعالجة المشكلات، فهو يؤدي إلى توفير وقت فرق العمل بشكل لا يصدق، ويمنح الجميع الفرصة للمساهمة بطريقة هادفة، من خلال 3 خطوات بسيطة هي: التحديد، والمناقشة، والحل. إذ يبدأ فريق العمل بتحديد المشكلة من خلال تحديد سببها الأساسي، ثم يناقش أعضائه الأمر بطريقة صحية ويقدمون الحلول المقترحة. وأخيرًا، يقومون بحل المشكلة من أجل الصالح العام للشركة.

- الرؤية المشتركة: والتي يتم تطويرها والاتفاق عليها من قبل الفرق المختلفة؛ فمثلاً شركة eos كان الهدف الكبير في رؤيتهم المشتركة هو أن يصبحوا شركة بقيمة 50 مليون دولار بحلول عام 2020م. ومن خلال وضع مشكلاتهم ببساطة في سياق هدفهم الكبير، ساعدهم ذلك على التوقف عن التغلب على الحصان الميت في قضايا، مثل تلك التي كانوا يعانون منها.

- الحصان: يميل معظم الناس إلى اتباع العادات غير المجدية، مثل المناقشة المتكررة، ونتيجة لذلك قد يرمي شخص ما الحصان الميت في الهواء ويقول: "توقف عن ضربه" كوسيلة لإعادة المناقشة إلى مسارها الصحيح.

21 طريقة

يلخص الكاتب "مايكل كريجسمان" عبر موقع zdnet المتخصص، 21 طريقة خاصة تستخدمها المنظمات لإنكار حالة الفشل الحقيقية لديها، وهي كالتالي:

- شراء سوط أقوى.

- تغيير الفرسان.

- قول أشياء، مثل: "هذه هي الطريقة التي كنا نركب بها هذا الحصان دائمًا".

- تعيين لجنة لدراسة الحصان.

- ترتيب زيارة مواقع أخرى لمعرفة كيفية ركوب الخيول الميتة.

- زيادة معايير ركوب الخيول الميتة.

- تعيين فريق "نمر" لإحياء الحصان الميت.

- تنفيذ جلسة تدريبية لزيادة قدرتنا على الركوب.

- مقارنة حالة الخيول الميتة في بيئة اليوم.

- تغيير المتطلبات التي تنص على أن "هذا الحصان ليس ميتًا."

- تعيين مقاولين لركوب الحصان الميت.

- تسخير العديد من الخيول الميتة معًا لزيادة السرعة.

- إعلان أنه "لا يوجد حصان ميت-مطلقاً-بحيث لا يمكن التغلب عليه."

- توفير تمويل إضافي لزيادة أداء الحصان.

- إجراء دراسة تحليل التكلفة لمعرفة ما إذا كان المقاولون يستطيعون استخدامها بتكلفة أقل.

- شراء منتج لجعل الخيول الميتة تجري بشكل أسرع.

- الإعلان عن أن الحصان الميت "أفضل وأسرع وأرخص".

- تشكيل دائرة جودة لإيجاد استخدامات للخيول الميتة.

- مراجعة متطلبات الأداء لهذه النوعية من الخيول.

- القول إن هذا الحصان تم شراؤه بتكلفة كمتغير مستقل.

- قم بترقية الحصان الميت إلى منصب إشرافي.

سؤال و4 أسباب و3 ضمانات

وفي ضوء ما سبق، فربما يتبادر إلى أذهاننا سؤالُ مهمُ ومنطقي، وهو أنه ما دامت الشركات والمشاريع التي لديها أحصنة ميتة، يتم استنزاف مواردها ولا تحقق النتائج المرجوة ويفشل أدائها، فلماذا هذا الإصرار على التمسك بالحصان الميت. وهو ما تجيب عنه "Harvard Business Review بالعربية"، وتجمله في 4 أسباب، وهي:

- الخوف من التغيير، والميل إلى البقاء في منطقة الراحة.

- الاعتقاد أن الأمور ستسير نحو الأفضل، على الرغم من أنها تزداد سوءاً.

- عدم الرغبة في تحمل المسؤولية والاعتراف بالفشل.

- اعتياد البيروقراطية وتأجيل القرارات الحاسمة أو معالجة المشكلات بأساليب معقدة.

وأما عن كيفية تفادي الوقوع في فخ الحصان الميت، فهو ما يمكن تحقيقه من خلال:

- إعادة توجيه الموارد نحو مشاريع أكثر جدوى، بدلاً من استنزاف الوقت والموارد في محاولات عبثية لإنقاذ حصان ميت.

- استخدام منهجيات حديثة في إدارة المشاريع وتصميم الخدمات، والتركيز على الجودة وخلق قيمة مضافة للعملاء لضمان الاستمرارية.

- عدم التشبث بالأوضاع الراهنة، والتكيف مع المتغيرات والتطويرات المستمرة.

وقد نجحت شركة تويوتا-وفقاً لـHarvard Business Review بالعربية-في عدم التمسك بحصان ميت من خلال بناء ثقافة التوقف لإصلاح المشاكل؛ للحصول على الجودة الفعلية من الحالة الأولى.

5 علامات

ويحدد موقع chrisdunnconsulting 5 علامات تشير إلى أن شركتك تعاني من أعراض ظاهرة "الحصان الميت"، وهي":

- تغييرات متكررة للقيادة، ولكن بدون أي تغيير في الاتجاه أو الاستراتيجية.

- تقليد ومحاكاة "أفضل الممارسات" في الصناعة - أي دراسة مهارات أولئك الذين من الممكن أنهم تعاملوا مع مثل هذه الظاهرة-الحصان الميت-بنجاح.

- استراتيجية الدمج والاستحواذ التي تستهدف زيادة حصة السوق، من خلال الاستحواذ على المنافسين الفاشلين.

- تقديم مؤشرات أداء رئيسية جديدة وأهداف توسعية ومدفوعات حوافز، أي جلد الحصان الميت بشكل أكثر صعوبة.

- تنفيذ تدابير خفض التكاليف والكفاءة أي التوقف عن إطعام الحصان الميت.

نصيحة استراتيجية

وتشير "جاك فايلت" في مقال لها بموقع ere.net إلى أن "فيجاي جوفينداراجان"، وهو أستاذ إدارة الأعمال الدولية ومدير مركز توك للقيادة العالمية في كلية دارتموث، والذي صنفته مجلة بيزنس ويك وفوربس ونيويورك تايمز ضمن أفضل 10 أساتذة في استراتيجية الأعمال، يقدم نصيحة مهمة، بضرورة وجود استراتيجية قوية تحكم معايير الأداء، وهو الأمر الذي يمكن تحقيقه باتباع 3 إجراءات استراتيجية مهمة، وهي: إدارة الحاضر، والتخلي بشكل انتقائي عن الماضي، والانتباه إلى أهمية صناعة المستقبل. ويؤكد موقع chrisdunnconsulting أن ركوب حصان جديد نحو مستقبل جديد يتطلب شجاعة لاتباع عملية تغيير هادفة. ويمكن في سبيل تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي التضحية ببعض أرباح اليوم من أجل عائدات أعلى في مستقبل يصعب التنبؤ به. وبالرغم من ذلك فيمكن القول إنه بعد 10 سنوات من الآن، ستتغير بعض أكبر المنظمات الحالية عما هي عليه، فقد تندمج أو يتم الاستحواذ عليها من قبل منافسيها أو تنهار تمامًا؛ بسبب استمرارية اتباعها نماذج أعمال وأنماط أداء لم يطرأ عليها التغيير الحقيقي. فقد كانت هذه النماذج والأنماط فعالة ولا يمكن الطعن فيها، إلا أنه بحكم التطور والتغيرات التي تطرأ دائماً على مختلف الساحات نتأكد من أنه قد عفا عليها الزمن تمامًا.

 
 
جميع الحقوق محفوظة: معهد الإدارة العامة