عنصر مهم في حياة الناس إذا أحسن توظيفه تأثير الإعلام الجديد على تشكيل هوية المجتمع


الدكتور/ عبد الرحمن محمد

المركز العربي للبحوث والدراسات - القاهرة

 

الإعلام الاجتماعي شأنه شأن مفاهيم العلوم الاجتماعية، ليس هناك مفهوم شامل جامع، ولكن تتعدد التعريفات والأطروحات التي تناولت المفهوم، وتعددت صور المفهوم فبعض يسميه بالإعلام الشبكي، والبعض بالإعلام الإلكتروني، وآخرون بالإعلام الرقمي، في حين يطلق عليه أحيانًا الإعلام الشبكي أو إعلام المجتمع، ورغم الجذور التاريخية للإعلام الجديد كمضمون إلا أن مصطلح الإعلام الجديد قد ظهر بشكل واضح في الآونة الأخيرة مع الثورة التكنولوجية ووسائل الاتصال، ولقد تعددت الدراسات التي تناولت مفهوم الإعلام الجديد، وانقسمت إلى محورين: يركز أولهما على إدماج الإعلام التقليدي في الوسائل الحديثة (الكمبيوتر)، والشبكة المعلوماتية، بينما ينصب الثاني على تقنيات الاتصال الرقمي بالأساس والتي أدت حتمًا إلى ظهور أنماط جديدة من الاتصال الإعلامي والجماهيري.

 

الوسائل الرقمية

ومن أبرز التعريفات المطروحة تعريف (لوجان) حيث يشير فيه إلى استخدام الوسائل الرقمية والتي تتميز بالفاعلية، وثنائية الاتجاه في مقابل الوسائل التقليدية والتي تعتمد على الاتجاه الأحادي، مثل التليفزيون والراديو، والتي لم تتطلب في عملها أية تقنية، والعديد من وسائل الإعلام الجديد نشأت عن طريق استخدام وسيلة قديمة والتطوير فيها، على سبيل المثال ظهر التليفزيون عام 1948م، وكان يعد إعلامًا جديدًا آنذاك لكنه لم يعد يصلح الآن هكذا، ولكن بإدماج التليفزيون مع الكمبيوتر من خلال تسجيل الفيديو الرقمي (نظام  يصبح إعلامًا جديدًا).

وفي الوقت نفسه هناك بعض الأطروحات التي عرضت قضية الإشكاليات المتعلقة بالإعلام الجديد كمصطلح ،حيث رأته أنه يقدم انقسامًا تعسفيًا بين كل من الإعلام القديم، والإعلام الجديد، ورأت أن هناك تجاهلًا بأن الإعلام الجديد (إعلام الشبكة العنكبوتية والرقمية) فهو ليس وليد ليلة وضحاها بل له جذور تاريخية تصل لعقود طويلة، ومن ثم الفصل التام بين الوسائط القديمة والجديدة ليس له دلالة ورواسخ منطقية.

تأثير الاعلام علي المجتمع

يعد الإعلام عنصراً مؤثرا في حياة؛ المجتمعات لقدرته الهائلة على مخاطبة القسم الواسع من النسيج الاجتماعي ولترويجه مضامين اقتصادية وثقافية، وسياسية واقتصادية، وأيدلوجية قد يكون تأثيرها إيجابيا لصالح المجتمع ورقيه، اذا أحسن توظيف سيل الرسائل الإعلامية التي تروج لها. كما تحمل في طياتها خطر ان يكون التأثير سلبيا إذا وظفتها قوي الهيمنة لاستلاب الهوية، والترويج للقيم الهابطة في وسائل الاعلام إن لم يكن لها دور في غرس القيم الاجتماعية والمعايير الثقافية، فإنها تؤدي إلى تزييف الوعي وإفساد العقول وانتهاك القيم التي تضمن حيز الخصوصية الثقافية لمجتمع ما.

الزمان والمكان

ولما كانت وسائل الإعلام في ظل ثورة المعلومات والصورة ذات طبيعة كونية تستهدف الجمهور في الزمان والمكان الذي تريد، فإن ذلك منحها دورا كبيرا في عملية الضبط الاجتماعي، من خلال قيامها بتوحيد الناس علي ثقافة واحدة، حيث يصبح الخروج عنها أمرا صعبا لتصير عرفا في المجتمع، وجزءاً من ثقافة المجتمع، فقد أصبحت وسائل الاعلام هي التي تحدد للناس ما يصلح، ومالا يصلح من خلال الإعلان عن آراء معينة، والتكتم علي الأخرى فيخلق ذلك عند الناس ما يشبه العرف الذي يقبل ويتبع ويحظر من مخالفته. ففي ظل الواقع الإعلامي، تعمل الرسالة الإعلامية علي استهداف شرائح عريضة في المجتمع في صيغة تثير انتباهه، وتستميل عواطفه من خلال توظيف مختلف الوسائل الحديثة، وما يصدر عنها من تصورات وأفكار، ومبادئ تعمل على إحداث تغير مقصود في المجتمع تحت وطأة إغراء لا يقاوم تكرس فيه منظومة جدية من القيم والمعايير.

تعريف مفهوم الهوية

لقد حصر الكثير من الباحثين والدارسين في مفهوم الهوية ومحدداتها والقضايا المثار حولها وتجاذباتها، واعتبار مفهوم الهوية موضوعًا قابلًا للتكيف والانفتاح والتجدد أمام المستجدات الفكرية والسياسية والسيسيولوجيا.  ويعد مفهوم الهوية مثله مثل معظم ما في العلوم الاجتماعية و الإنسانية يتصف بالعمومية، ويحمل الكثير من المعاني، وكنه يعتبر في التعريفات العربية: هو تعريف الشخص لذاته؛ حيث تشخيصه وتحققه في ذاته وتميزه عن غيره فهو وعاء الضمير الجمعي لأي تكتل بشرى ومحتوى لهذا الضمير في الوقت نفسه بما يشمل من قيم وعادات ومقومات.

الانسان التقني

وكان للإعلام الجديد بصمته  الواضحة على الهُوية حيث أدت هذه الوسائل التكنولوجية الحديثة إلى خلق مجتمعات افتراضية بشكل ضخم إلى حد لا يمكن الإلمام به وتقييده وبالتالي كان لذلك تداعيات واضحة على تغيير نمط تفكير المجتمعات، وأصبحت المسافات والحدود الجغرافية أشكال وهمية لا تستطيع إيقاف هذا الغزو التكنولوجي الافتراضي، وأضحت هذه المجتمعات الافتراضية هي الواقع الجديد الذي يُشكل حياة الأفراد وأصبحوا مرتبطين إلى حد كبير بالأجهزة الحديثة كالحاسوب والهاتف المحمول والأدوات الأخرى، وذلك  أنتج ما يُسمى “الانسان التقني"، وذلك إشارة لكونه أصبح مبرمجًا وأفرز نوعًا جديدًا من الهُوية لم يكن موجودًا ولا يتم تحديده فهو خليط ناتج عن مزيد من الانفتاحات، والتداخل، وتظهر الهُوية الافتراضية أو فضاء السايبر Cyber Space الذي يجعل الأفراد أشخاص “أنترنتية"، ان جاز التعبير، تنزوي في ثقافات غيرها حتى وإن كان على حساب هُويتها، وإن كان هذا قد يشبع رغبات وحاجات نفسية لديهم إلا أنه يخلق قلق الانتماء لكونهم “متشرذمين" في ثقافات وأفكار وهُويات مختلفة غير قادرين على تحديد ذاتهم الأصلية التي يجب الانتماء لها.

إشكالية الهوية

  والحديث عن إشكالية الهوية لا ينفصل عن اللغة فلا نجد مجتمع له نفس الهُوية إلا وله نفس اللغة، وفي كثير من الأحيان يسعى لفرض لغته، فاللغة هي التي تصون، وتحمي الهوية وهى تحيا بالاستعمال والتداول، ونتيجة للوسائل التكنولوجية الحديثة تبعثرت الهويات ليسود نموذج ثقافي وحيد، ويصيح هو المركز، وهو ما يُعرف باسم المثاقفة حيث انحسار الهويات المختلفة في ثوب جديد، وهذا بالتأكيد سلبي حيث ما هو إلا قضاء على ثقافة لصالح أخرى، ومثال على ذلك نجد ضعف اللغة العربية بسبب هيمنة اللغة الإنجليزية على الشبكة المعلوماتية (الإنترنت)، وتعد الهيمنة اللغوية أمرًا في غاية الأهمية حيث بتلك الهيمنة يتم بث أفكار تسيطر على عقول الشعوب ليصبحوا أمام معضلة، وهي طغيان اللغة الأجنبية على معاملاتهم اليومية.

 

​ 

 
 
جميع الحقوق محفوظة: معهد الإدارة العامة