Sign In
د. فهاد الحمد و رحلة الأف ميل من معلم الرسم إلى معالي الوزير
 
 
 

​​​

إذا كان للعصامية اسم فهو معالي الدكتور فهاد الحمد. وإذا كان للمثابرة والتحدي والإقدام من رمز فهو معالي الدكتور فهاد الحمد.

من سكاكا بمنطقة الجوف أقصى شمال المملكة رأى النور، وانطلق في رحلة الأف ميل. عاش المعاناة وقاسى صعوبة الحياة، التي كان يلطف أجواءها حنان الأم وعطف الأب، وربما شكلت تلك القسوة الحياتية شخصيته المتسمة بالتحدي، والجنوح نحو اقتحام المجهول، والإقدام للسير في مسالك غير معروفة النهاية. كان يملك حلماً يقوده إليه الطموح، ويدفعه الأمل. ولم يخطر ببال فتى سكاكا الذي كان والده بالكاد يجد قوت يومه ويطعم أفواه صغاره، أن سقف الطموح الذي كان يصعد به ويرتقي بآماله سيصل به في نهاية المطاف لأن يحمل حقيبة وزارية، ويكون ضمن حضور جلسات مجلس الوزراء. 

بعد حصوله على شهادة الكفاءة المتوسطة غادر سكاكا نحو العاصمة الرياض وملتحقاً بمعهد التربية الفنية ليعود بعد ثلاث سنوات لنفس مدرسته بسكاكا مدرساً فيها لمادة التربية وزميلاً لمعلميه السابقين. وبقي طموحه يقوده لما هو أبعد من وظيفة معلم تربية فنية، مع يقينه أن الطموح لا يتحقق إلا بالعمل ومزيد من الارتقاء في مدارج العلم، فكانت الشهادة الجامعية هي طموحه وهدفه القادم، ولكن الطريق إليها لا يمكن عبوره إلا بشهادة الثانوية، فلم يعقه عدم وجود نظام ثانوية ليلة في سكاكا، فطرق باب الدراسة بنظام المنازل، فحصل عليها بعد ثلاث سنوات، وعلى نفس المنوال واصل دارسته الجامعية انتساباً في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة. وحصل على درجة البكالوريوس في الإدارة العامة. وتغيرت وظيفته في تعليم الجوف بناء طليه من معلم تربية فنية إلى موظف إداري في قسم المحاسبة.

وفتحت له هذه الوظيفة أول الطريق نحو معهد الإدارة العامة عندما التحق بدورة تدريبية عن الأعمال المحاسبية لمدة ستة أسابيع تجاوزها بامتياز، وكان من ضمن المدربين الذين دربوه في الدورة الأستاذ عبدالله اللحيدان، والأستاذ محمد البطمة. الذي أصبح بعد سنوات زميلاً لهم في المعهد.

باب جامعة الملك عبدالعزيز المقفل

حاول فهاد الحمد الخريج الجامعي بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف الالتحاق بجامعته "جامعة الملك عبدالعزيز" كمعيد، ولكن كل الأبواب أقفلت بوجهه. ولجأ لأستاذه عميد كلية الاقتصاد والإدارة الدكتور غازي عبيد مدني لعله يأخذ بيده ويساعده في القبول، ولكن كل المحاولات فشلت ولم يتم له ما أراد. فأدار الوجهة مرة أخرى نحو الرياض للبحث عن بصيص أمل يفتح له باب الدراسات العليا، وسعى بكل الوسائل في وزارة التعليم أن يجد طريقا يفتح له باب الدارسات العليا ولكن بلا أمل.

معهد الإدارة العامة

وفجأة لمعت في ذهنه فكرة الالتحاق بمعهد الإدارة العامة، وتساءل في نفسه كيف غاب عني هذا الصرح الشامخ الذي أعرفه جيدا من خلال الدورات التدريبية، وأعرف بيئته الأكاديمية والتدريبة والوظيفة النموذجية. وقال في هذا الشأن:

لقد كان من المنطقي أن يكون المعهد وجهتي من اللحظة الأولى لتخرجي، غير أن ما جعلني لا أرى المعهد خياراً لي هو معرفتي بأنه يطبق نظام الخدمة المدنية ولوائحه على أعضاء هيئة التدريب فيه، فيما يتعلق بالتوظيف، والترقيات، والابتعاث. ولكني ذهبت ذات صباح إلى المعهد في مبناه الصغير والأنيق الواقع في شارع الفرزدق بحي الملز، وقابلت مديره العام آنذاك الدكتور محمد الطويل الذي استقبلني برحابة صدر وناقشني بموضوعية، معرباً في نهاية اللقاء عن ترحيبه بانضمامي للمعهد، تاركاً لي مسألة تدبير انتقالي من وزارة المعارف وبعد تقديمي الأوراق المطلوبة للمعهد، صدر خطاب منه لوزارة المعارف يطلب نقل خدماتي الوظيفية إليه. وقلت في نفسي هاهي الأبواب المغلقة قد انفتحت أخيرا. ولكن حدث ما لم يكن بالحسبان. فقد رفضت وزارة المعارف!! وكان لابد من جولة، بل جولات مكوكية، وبذل جهود، لإقناع المسؤولين بالوزارة بالموافقة، ودخول من يلزم من أجل الشفاعة في هذا الأمر، ووصلت الجهود لأعلى سلطة في الوزارة د. عبدالعزيز الخويطر، الذي تمسك بالموقف، ورفض رغم أن طبيعة عملي موظف حسابات يمكن إيجاد البديل عني بسهولة. ولكن هكذا شاءت الأقدار.

وأضاف الدكتور فهاد في كتابة الذي دون فيه سيرته الشخصية والوظيفية والموسم بـ (خلاصة الأيام): وفي ليلة لم أذق فيها طعم النوم من التفكير والبحث عن سبيل، خطرت ببالي مشورة لأحد الأصدقاء بأن أتقدم بطلب لأمير الرياض صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز، فهو ملجأ كل صاحب حاجة بعد الله، وهو ببصيرته وعمق رؤيته، وسعة أفقه، ومسؤولياته الجسام من سأجد عنده الحل بإذن الله. وكتبت معروضي وشرحت فيه الموضوع كاملاً. ومع ساعات الصباح الأولى كنت في مكتب سموه بمقر الإمارة بقصر الحكم. ضمن مجموعة كبيرة من المواطنين، وكل له مطالبه. وبعد أن جاء دوري وسلمت كتابي قرأه سموه بتمعن ثم نادى أحد الضباط وسلمه الكتاب وأمره باصطحابي إلى أحد الموظفين. فشكرته، ثم اتجهت لمكتب الموظف الذي طلب من المجيء في الغد لاستلام الخطاب الموقع من سموه إلى وزير المعارف بالتوصية بالموافقة على نقلي لمعهد الإدارة العامة.

وبهذا طويت صفحة من صفحات حياتي لأفتح صفحة تالية في رحلة العمر. 

من سكاكا إلى نيوهيفن عبر الرياض

وفي بداية شهر شعبان من عام 1400هـ أصبحت أحد منسوبي معهد الإدارة العامة بوظيفة مساعد مدرب (معيد). وعندما سألني الدكتور محمد الطويل عن الإدارة التي أرغب العمل فيها أجبته على الفور. الإصلاح الإداري. ظناً مني بأن ذلك سيتيح لي فرصة الإسهام في جهود الإصلاح الإداري بالمملكة. بيد أن سرعان ما اكتشفت أن مهمتي لا تتجاوز أعمال السكرتارية للأمين العام للجنة العليا للإصلاح الإداري الأستاذ أحمد الزهراني. وتصوير الأوراق وتنظيم الملفات. 

وبعد أن أمضيت ستة أشهر في العمل انتظمت في برنامج اللغة الإنجليزية المخصص للمبتعثين، ثم حصلت على قبول لدارسة الماجستير من جامعة سيركيوز بولاية نيويورك. وبدأت رحلتي مع الدارسات العليا. وبعد وصولي إلى أمريكا والتحاقي بالجامعة وانهائي مرحلة اللغة الإنجليزية، نشأت مشكلة في شروط القبول اضطررت بعدها لتغيير الجامعة والبحث عن جامعة أخرى فحصلت على قبول في ثلاث جامعات أحدها نيوهيفن، التي أكملت دارستي لمرحلة الماجستير فيها. وتوطدت خلال هذه المرحلة علاقاتي مع زملاء مبتعثين كالدكتور علي التواتي القرشي، والدكتور عبالمحسن اللحيد الذي كان مبتعثا للماجستير من المعهد، والدكتور خالد بن عبدالواحد الحميد الذي يدرس الدكتوراه في الاقتصاد بجامعة وسكانسون.

عودة للإصلاح افداري

بعد الحصول على الماجستير والعودة للمملكة عينت بوظيفة مدرب، وبناء على رغبة الأمين العام للجنة العليا للإصلاح الإداري صدرت موافقة مدير عام المعهد على تكليفي بالعمل في الأمانة العامة. وشاركت بشكل فعلي في إجراء الدراسات التي تعدها الأمانة.

وكان مدير عام المعهد الدكتور محمد الطويل دائم السؤال عما استجد بشأن القبول لدارسة الدكتوراه عندما يزورنا في الدور الرابع في جولاته التفقدية المعروفة. ولن أنسى أن الرجل كان مشجعاً ومحفزاً لي لأقصى حد ممكن. ووصلني قبول من جامعة ولاية نيويورك الحكومية بمدينة البني، فوجه المدير العام مباشرة بإعداد محضر يوقع بالتمرير من أعضاء مجلس الإدارة ويتضمن الموافقة على ابتعاثي، وكان معي في المحضر الزميل الدكتور عبدالعزيز العتيبي، وكان الهدف من سرعة إنجاز المحضر كسب الوقت لكي لا نتأخر في الالتحاق بمواعيد القبول في الجامعات الأمريكية.        

وعدت مرة أخرى لأمريكا وانتظمت في دراسة مرحلة الدكتوراه، وخلال مرحلة الدكتوراه اتفقت مع عدد من طلاب الدارسات العليا العرب في الجامعة على إيجاد رابطة أو جمعية للطلبة العرب تركز على الجوانب الاجتماعية والثقافية التي تجمعهم. وتوليت رئاسة هذه الجمعية لمدة سنتين.

وكان عنوان رسالتي للدكتوراه مسح بيئات التنظيم، وتتضمن مصادر حصول المؤسسات على المعلومات عن التغيرات في بيئتها الخارجية، ومع بداية شهر أغسطس لعام 1988م حصلت على شهادة الدكتوراه، ثم عدت للوطن لأبدأ مرحلة جديدة من العمل والعطاء ورد الدين لوطني.

ما بعد الدكتوراه

تم تكليفي منسقاً لقطاع الإدارة والسلوك والتنظيمي بالمعهد، ثم منسقاً لبعض الفعاليات والنشاطات العلمية، كالندوات، وإجراء الدراسات، ثم صدر قرار تكليفي مديراً عاماً للبرامج الإعدادية. وهي الإدارة المسؤولة عن وضع وتطوير برامج تأهيلية لخريجي الثانوية العامة، وكذلك برامج إعدادية لخرجي الجامعات. ومع التنظيم الجديد تم تكليفي مديراً عاماً للبرامج المالية والاقتصادية، وكذلك ترقيتي للمرتبة الثالثة عشرة عام 1414هـ. ثم كلفت بالعمل مدير للبرامج الإدارية، ثم مديرا عاما للبحوث، وفي عام 1417هـ صدر قرار مجلس الوزراء بتعييني نائبا لمدير عام المعهد للبحوث والمعلومات بالمرتبة الخامسة عشرة.

ولا أنسى ما أخبرني به معالي وزير الخدمة المدنية ورئيس مجلس إدارة المعهد آنذاك الأستاذ محمد الفايز من أنه قال للأمير سلطان بن عبدالعزيز – رحمه الله – عند ترشيحي للوظيفة بأنني من أهل الجوف، وأن النائب الآخر في المعهد الدكتور عبدالرحمن الشقاوي من الجوف أيضا، فأجابه الأمير سلطان بأن هذا لا يمثل مشكلة، طالما المرشح الجديد مؤهل ومناسب للوظيفة. ولم أعلم عن تعييني إلا بعد مرور أكثر من ساعة من إذاعة الخبر بالتلفزيون حيث هاتفني أحد الأصدقاء مهنئاً.

مرحلة الشورى

بعد نحو شهرين أو أكثر قليلاً من بداية الدورة الرابعة لمجلس الشورى، كنت أقضي وقتاً مع بعض الأصدقاء في إجازة نهاية الأسبوع، عندما زارنا الدكتور حمد المانع، وزير الصحة الأسبق، وجرى حديث بيننا عن مجلس الشورى، وسألني إن كنت أرغب في عضوية المجلس وكنت حينها قد أمضيت ما يزيد عن ثمانية أعوام نائبا لمدير عام المعهد، ولأنني مع بداية شهر محرم 1426هـ، أكون قد وصلت لآخر درجة في المرتبة الخامسة، وقلت للدكتور المانع إن عضوية مجلس الشورى شرف لي ولغيري، وسيكون إيجابيا جدا لو ختمت حياتي العملية عضوا في مجلس الشورى. وانتهى اللقاء ولا أعلم ماذا جرى بعد هذا الحديث، إلى أن تلقيت اتصالا من صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن فهد رئيس الديوان الملكي آنذاك. يخبرني بترشيحي لعضوية مجلس الشورى. وكان اتصاله قبل شهر من صدور الأمر الملكي بتشكيل المجلس في دورته الرابعة التي بدأت في 3/3/1426هـ.

وغادرت المعهد يعد أن عاصرت عدة مراحل وأجيال ومديرين للمعهد ومنهم الدكتور محمد الطويل الذي كان أبرز رموزه بالنسبة لي ولجيلي من منسوبي المعهد,

وما أن أصبحت عضوا في مجلس الشورى حتى تم اختياري بالتزكية رئيسا للجنة الأنظمة والإدارة، رغم وجود عرف في المجلس بأن يتولى رئاسة اللجان المتخصصة الأعضاء القدامى. وهذا الاختيار جعلني عضو في الهيئة العامة للمجلس التي تضم رئيس المجلس ونائبه ومساعده ورؤساء اللجان المتخصصة. وتختص بمهام وضع الخطة العامة، وإصدار القواعد اللازمة لتنظيم أعمال المجلس ولجانه، واعتماد جدول أعمال الجلسات.

وبعد سبع سنوات من العمل في المجلس حدث تطور لافت في مسيرتي الشورية، حيث أصدر الملك عبدالله بن عبدالعزيز أمرا ملكيا يوم الثلاثاء 18 محرم 1433هـ، بتعييني مساعدا لرئيس مجلس الشورى بالمرتبة الممتازة. وفي صباح اليوم التالي تلقيت اتصالا هاتفيا كريما من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله – وكان حينها وزيراً للدفاع يهنئني بالتكليف الجديد. وكم كان جميلا ومؤثرا أن أبدأ موقعي الجديد بتلك العبارات المحفزة من سلمان بن عبدالعزيز.

ولن أنسى تلك اللحظات التي رأست فيها مجلس الشورى لأول مرة بعد أن اضطر الرئيس إلى مغادرة الجلسة بعد افتتاحها، وما أن أخذت موقعي على المنصة حتى ضجت القاعة بالتصفيق. في موقف أشعرني بحجم حب زملائي الأعضاء ونبل مشاعرهم.

وأصبحت وزيراً

وحمدت الله وأثنيت عليه كثيرا بعد أن اكرمني بالوصول لمرتبة عليا في الدولة، بعد مسيرة قدمت فيها كل ما أستطيع تقديمه لوطني من خدمة مخلصة ومتفانية، وظللت أترقب نهاية المدة النظامية في الشورى حتى أطوي أشرعة العمل الرسمي، وأعود لبيتي وأسرتي.

ولكن الله أكرمني بما هو أعلى، حيث تلقيت يوم الأحد 15 صفر 1436ه، اتصالا من الأستاذ خالد العيسى نائب رئيس الديوان الملكي، يخبرني بأن التقي بالأستاذ خالد التويجري رئيس الديوان غدا عند الساعة الحادية عشرة صباحا. وذهبت في الموعد المحدد فأبلغني الأستاذ خالد التويجري بأن خادم الحرمين الشريفين اختارني وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات.

وحمدت الله وشكرته وأثنيت عليه أن مّن عليّ ببلوغ هذه المرتبة التي تمثل وساماً على صدري، ومصدر فخر واعتزاز لي ولأبنائي، وأسرتي. ويوم الأحد 22 صفر 1436ه، أديت القسم أمام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وفي صباح اليوم التالي الاثنين 22 صفر 1436هـ، باشرت العمل بوزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، ثم اتجهت إلى ديوان رئاسة مجلس الوزراء بقصر اليمامة، حيث شاركت في اجتماع اللجنة العامة لمجلس الوزراء كون وزير الاتصالات وتقنية المعلومات عضو فيها، وبعد الظهر مباشرة شاركت لأول مرة في جلسة مجلس الوزراء التي عقدت برئاسة الأمير سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع، آنذاك. وعند العصر عدت إلى البيت لأخذ حقيبة السفر وأتوجه إلى القاهرة لحضور اجتماع مجلس وزراء الاتصالات وتقنية المعلومات العرب الذي يعقد هناك.

وفي 9/4/1436ه، صدر أمراً ملكياً بإعادة تشكيل مجلس الوزراء، وكان ختام مشواري مع الوظيفة والعمل الرسمي. 

​المصدر:كتاب خلاصة الأيام - تأليف:فهاد بن معتاد الحمد

التعليقات (0)
أضف تعليق



جميع الحقوق محفوظة: معهد الإدارة العامة