Sign In
بمنطق "البجعة السوداء" عالم الإدارة يتعايش مع "كورونا"
19
 

​يواجه عالم الإدارة بعض الأحداث والأزمات التي تجتاح العالم بين فترة زمنية وأخرى-كأحداث مفاجئة وطارئة لا يمكن توقع حدوثها بصفة عامة-والتي منها أزمة كورونا "كوفيد 19" التي نعيشها حالياً. وهو المنطق الذي تمثله نظرية "البجعة السوداء Black Swan" التي صاغها ونادى بها "سليم نيكولاس طالب"، وظهرت العديد من الآراء التي تجتهد في كيفية التعايش مع مثل هذه النوعية من الأحداث. ومن هذا المنطلق اختلفت مثل هذه الآراء في النظر لأزمة كورونا، لكنها جميعاً تكاد تتفق على ضرورة التعايش مع هذه الأزمة التي تبدو وكأنها ضيف ثقيل الظل سيمكث لفترة لا يعلمها إلا الله، خاصة في عالم الإدارة والأعمال الذي عانى من آثارها. في هذا التقرير نرصد معكم كيف يمكن أن تتعايش الإدارة والأعمال مع "كورونا"؟

"البجعة السوداء"

دعونا نتفق في البداية على أن جائحة "كورونا" من الأحداث الاستثنائية في تاريخ في تاريخ البشرية بصفة عامة، وعالم الإدارة خاصة. فقد وقف العالم أمام هذا الحدث عاجزاً، خاصة تلك الدول التي كنا نعتقد أنها بمنأى عن تداعيات مثل هذه الأحداث؛ نظراً لما هي عليه من تقدم وامتلاكها مقومات كبيرة تمكنها من مواجهتها وإدارتها بشكل بارع. إلا أن هذا الاعتقاد لم يكن صحيحاً على إطلاقه أمام "كوفيد-19" الذي كان مفاجأة في انتشاره واجتياحه العالم أجمع، وكذلك صدمة قلبت الحسابات والتوقعات رأساً على عقب. وهو الأمر الذي ربما يقودنا-إذا أردنا تقييم هذه الجائحة والتعايش معها-إلى بحيرة "البجعة السوداء". حيث يرى د.سلطان النصراوي-المتخصص في شؤون الإدارة والاقتصاد-أنه في عام 2007م صدر كتاب" البجعة السوداء Black Swan" للمفكر "نسيم نيكولاس طالب" (أمريكي الجنسية ولبناني الأصل). وبعیداً عن التفاصیل الجزئیة للكتاب، تدور أحداثهُ حول فكرة أساسیة وھي اعتقاد الناس-حتى قبل اكتشاف وجود البجعة السوداء في القرن الثامن عشر في غرب استرالیا-أن جمیع طیور البجع ھي بیضاء، ومن ثمً فإن مشاھدة بجعة سوداء لأول مرة تمثل مفاجأة وصدمة.

عموماً، فإن ما يُطلق على تسمیتهُ بالبجعة السوداء-بحسب رأي نيكولاس-هو حدث يتمتع بثلاث

خصائص أو ثلاث تبعات هي كالتالي:

الأولى: عرضیة حدث مفاجئ) كونھا تقع خارج نطاق التوقعات أو من الصعب التنبؤ بھا).

الثاني: تتضمن تأثیرات بالغة الشدة ذات انعكاسات قوية وربما كارثیة.

الثالثة: بالرغم من كونھا واقعة عرضیة؛ فإن طبیعتنا البشرية تجعلنا ننسج تفسیرات لھا بعد

حدوثھا على أرض الواقع.

ومن ثمً، فإن كل الأزمات والتوترات الاقتصادية والكوارث الطبيعة وغیر الطبيعة والجوائح والأوبئة يُمكن أن نطلق علیھا اسم "بجعة سوداء"، فمثلاً أزمة الكساد الكبیر، وانتشار مرض الكولیرا، وأزمة انھیار الأسواق 1987lم، وأحداث 11 سبتمبر/ أيلول، وأزمة الرھن العقاري 2007م، ولیس آخرھا صدمة كورنا ھي بجعات سوداء. إذن فھي حدث مفاجئ وغیر متوقع وھذه ھي الخاصیة الأولى. أما الخاصیة الثانیة فتمثلت في الخسائر والانعكاسات السلبیة القوية على الاقتصاد العالمي، إذ أدى انتشار الجائحة إلى إغلاق عام كبیر، وفرضت الأزمة أسلوباً جديداً من التعامل متمثلاً في التباعد الاجتماعي؛ مما ترتب علیه إيقاف كل أنواع الأنشطة الاقتصادية الإنتاجیة منھا والخدمیة، وتراجعت قطاعات الصناعة والتجارة والسیاحة والنقل وغيرها، وتكبدت الأسواق المالیة خسائر فادحة واضطربت. وبالنسبة لأسواق العمل أدى انتشار الوباء إلى حدوث صدمة في سوق العمل، وحدثت صدمة عرض (صدمة في الإنتاج) وصدمة طلب (استھلاك واستثمار)؛ مما انعكس على فقدان الوظائف في الكثیر من القطاعات الاقتصادية، وعلى الشركات الصغیرة والمتوسطة الحجم؛ نتیجة للقیود والإجراءات التي اتبعتھا الدول لمواجھة تفشي الوباء. في حین تمثلت الخاصیة الثالثة في التفسیرات والتحلیلات والتوقعات لانعكاس انتشار الجائحة على الاقتصاد من كل حدب وصوب، لا بل تعدى ذلك حتى دخلنا في مرحلة التنظیرات والتنبؤات المستقبلیة القاتلة حول اقتصاد ما بعد كورونا.

توقعات "جيتس"

وتعقيباً على حدوث تلك الجائحة يشير عبدالعزيز الفضلي في مقال له بالموقع الإلكتروني لـ"الراي" إلى أن أزمة كورونا كانت متوقعة عند عدد قليل جداً من الناس الجادة، وكثير في الوقت نفسه عند أصحاب نظرية المؤامرة، ولعل "بيل جيتس" من القلة الذين تحدثوا عن هذه الأزمة. فقد قال: "كانت الكارثة التي نخشاها أكثر من غيرها هي الحرب النووية، أما إذا كان شيء ما سيقتل أكثر من عشرة ملايين شخص في العقود القليلة المقبلة، فمن المرجح أن يكون فيروساً شديد العدوى وليس الحرب. فقد استثمرنا الكثير في الردع النووي، والقليل جداً في نظام احتواء الأوبئة. نحن لسنا مستعدين". وأوضح "جيتس" أنه لا داعي للذعر، ولكن علينا أن نفعل شيئاً.

وفي ضوء ذلك، وبالنظر إلى التصرف حيال هذه الجائحة؛ يلفت موقع "أرقام" الإلكتروني إلى أنه عند النظر إلى المسألة من منظور حديث، يبدو أن أحداث "البجعة السوداء "المستقبلية وليست الماضية هي التي تستدعي الاهتمام والانتباه لها. حيث إن الوعي بأحداث" البجعة السوداء" المحتملة أو ربما التي لا مفر منها سوف يُحسٍن من فرص التغلب على تداعياتها في حال وقوعها.

5  إستراتيجيات

والآن دعونا ننتقل إلى مناقشة الحديث عن إجراءات التعايش مع "كوفيد-19" في عالم الإدارة والأعمال، والتي طرحها البعض. فنقلاً عن موقع "CNN بالعربية"، هناك بعض الأدوات والإستراتيجيات التي تتيح للشركات مواصلة أعمالها في ظل الظروف الراهنة كالتالي:

1- تقنيات البحث عن الكفاءات عبر الإنترنت: فيمكن من خلال تقنيات البحث عن السير الذاتية والإعلانات الوظيفية المتوفرة عبر الإنترنت توظيف الكفاءات بسرعة وسهولة.

2- مقابلة المرشحين وتقييمهم دون اتصال جسدي: يمكن إجراء هذه الخطوة أيضاً بالكامل عبر الإنترنت دون أي اتصال جسدي. إذ تتيح منصات التقييم الحديثة، مثل Evalufy إمكانية تقييم مهارات المرشّحين عبر الفيديو بطريقة سهلة وسريعة.

3- الفعاليات الافتراضية: حيث يمكن استخدام التكنولوجيا الحديثة لتنفيذ المؤسسات عملياتها والاجتماع بالأشخاص حول العالم دون اي اتصال جسدي.

4- تقنيات تأهيل وتدريب الموظفين الجدد: بعد أن يتم إيجاد المرشّح المثالي وتوظيفه، يمكن أن تتم عملية تدريبه أيضاً عبر الإنترنت في بيئة آمنة تماماً. لا شك في أن هذه العملية تتطلب الكثير من التنسيق واستخدام البرمجيات وإتاحة الوصول للبرامج المحددة وغيرها، ولكن بفضل التكنولوجيا يمكن إتمام جميع هذه الأمور بطريقة بسيطة وفعّالة، وهو ما تتيحه العديد من المنصات الحديثة.

5- إدارة الموظفين عن بُعد: باستخدام الأدوات والإستراتيجيات المناسبة، مثل إتاحة تقنيات التواصل لجميع الموظفين، وتقنيات مشاركة البيانات مع الموظفين؛ لإنجاز مهام العمل، مع الحرص على تجنب أي خرق أمني، والاجتماعات عبر الفيديو للتواصل مع فريق عملك بشكل منتظم كما لو أنك متواجد معهم في المكتب، وتقنيات إدارة المشاريع.

7 طرق

ووفقاً لما أوردته مجلة "صدى الموارد البشرية"، تطرح مجموعة "بوسطن" الاستشارية رؤية ترتكز على 7 طرق لتعايش المؤسسات مع عالم "كورونا"، نحدد أبرز ما جاء بشأنها في الآتي:

  • صحة الأفراد، من خلال تسريع العمل الذكي.
  • تعزيز إجراءات الصحة والنظافة بالمؤسسة.
  • جاهزية القوى العاملة وتقليص الخطر المحتمل على الموظفين.
  • إدارة مرونة القوى العاملة، وهو ما يتحقق بتحليل تأثير الأعمال عليها، وتكيف القوى العاملة الحالية مع معدل الطلب، وتعديل التوظيف، وإدارة الوقت الفردي الضائع للموظف.
  • ثقافة التواصل والدعم من خلال تطبيق التواصل بانفتاح وتعاطف، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال تحديد قنوات التواصل، وتنظيم بنية اتصالات واضحة، وتمرير المعلومات للموظفين في الوقت المناسب، وتوعية الموظفين والمديرين بشأن كوفيد-19.
  • التضامن، وهو أمر مهم يمكن الوصول إليه بتجهيز القادة، ودعم العاملين وأسرهم، وبناء وتعزيز نظم العمل، وتحقيق غاية أكبر.
  • تسريع الجاهزية الرقمية، وذلك عبر تحديد الحاجة وتسليم الأجهزة المطلوبة، وتوفير البرمجيات والأدوات المناسبة، وتدريب الموظفين على التقنيات الحديثة، وبناء فرق دعم التكنولوجيا.

إدارة المعرفة

وتطرح هيام حايك-بمدونة "نسيج"-رؤيتها حول التعاطي مع أزمة كورونا الراهنة والتعايش معها من خلال إدارة المعرفة. فتذكر أنه بالنظر إلى الوتيرة المتسارعة للتطور التكنولوجي، وتواتر عمليات الاندماج والاستحواذ، وإدخال نماذج تجارية جديدة، لم نكن نتوقع أن تؤدي جائحة عالمية إلى قلب المؤسسات التجارية في مختلف أنحاء العالم. فاليوم ونتيجة لجائحة كورونا اضطرت المؤسسات إلى إجراء تحولات مفاجئة؛ للتمكن من الانتقال للعمل عن بُعد، ومن المرجح أن يواجه الموظفون الذين يعملون عن بُعد في العديد من المؤسسات صعوبات مفاجئة أيضاً.

وهنا تلفت حايك إلى بروز دور إدارة المعرفة وما توفره من أدوات ومنهجيات يمكن أن تساعد المنظمات على مواجهة هذه التحديات. وفيما يلي 3 طرق يمكن لفرق إدارة المعرفة من خلالها مساعدة منظماتها في مواجهة التحدي الذي تمثله هذه الجائحة والتعايش معها، وهي كالتالي:

-مواءمة الواقع الحالي: ففي أوقات الأزمات، يجب على فرق إدارة المعرفة إيقاف المبادرات الحالية مؤقتًا وتحديد ما يجب فعله الآن لتلبية احتياجات المنظمة.

-التسويق لأكثر الحلول ارتباطاً بإدارة المعرفة: تحتاج فرق إدارة المعرفة إلى إرسال اتصالات مخصصة لتذكير الناس بكيفية استخدام هذه الموارد؟ ولماذا؟ فمثلاً:

  • تذكير الأشخاص بالبحث عن إجابات في المجتمعات والبرامج البحثية للمؤسسات قبل إرسال بريد إلكتروني أو الاتصال بزملائهم.
  • شرح ما يجب فعله وما لا يجب فعله عند البحث في وسائل التواصل الاجتماعي المهنية للمؤسسات.
  • تحذير الخبراء من أنهم قد يواجهون سيلا من الأسئلة، وأنه من الأهمية الإجابة عن الأسئلة وأن يكونوا موجودين على مواقع المؤسسة الاجتماعية.
  • إعادة تعليم الأشخاص كيفية البحث: حيث تذكيرهم بأساليب البحث الفعالة، وإذا أمكن، تقديم هذا التعليم في أشكال متعددة، مثل دليل إرشادي، وندوات عبر الإنترنت عند الطلب.

    يجب على فرق إدارة المعرفة أن تراقب عن كثب المشكلات الناشئة التي يمكن لأدواتها حلها. وإذا أصبح فجأة أحد الفريقين-على سبيل المثال-مثقلاً بسبب رسائل البريد الإلكتروني، ينبغي تذكيره بأنه يمكنه استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتعاون دون إغراق صناديق بريد الوارد لبعضهم البعض.

-استثمار الشبكات: عبر التواصل مع شبكات الدعم الداخلية والخارجية. ومن ثم يمكن لأعضاء فريق إدارة المعرفة الخاص بالمؤسسة، والمشاركون في المهام، والتنفيذيين، وجهات الاتصال في المؤسسات الأخرى توفير إرشادات قيمة.

التجربة السعودية

ونختتم هذا التقرير بتجربة المملكة ومواجهتها تلك الجائحة والتعاطي معها، حيث قارن الكاتب يحيى الأمير في مقال له بصحيفة "عكاظ" بين مواجهة وتعاطي دول متقدمة مع الأزمة وتجارب عدد من دول منطقة الشرق الأوسط، لا سيما المملكة. فيقول: "لنتابع التجربة العظيمة التي قدمتها السعودية في مواجهة كورونا وكيف تفوقت في ذلك على بلدان أوروبية لديها آلاف السنين من الخبرة والتجربة، وكيف أظهرت السعودية الإنسان محوراً أوليّاً تتراجع أمام صحته وسلامته كل الحسابات الاقتصادية والمالية، وكيف أظهر الاقتصاد متانته وقوته القادرة على إدارة ومواجهة الأزمة. وفي السياق ذاته تنشط تجارب متميزة في الشرق الأوسط. لنتابع تجربة الإمارات والبحرين والأردن ومصر والكويت؛ سنجد أننا أمام نماذج تنتمي جغرافياً للعالم الثالث لكنها تفوقت واقعياً على بلدان العالم الأول في مواجهة هذا التحدي الكوني الكبير".

التعليقات (0)
أضف تعليق



جميع الحقوق محفوظة: معهد الإدارة العامة