العدد 152   رجب 1439هـ
الرئيسية تعريف بالموقع هيئة التحرير اتصل بنا أرشيف الأعداد السابقة
 
مقالات
حوار
القضية
تقرير
أوراق علمية
تحقيق
>> القضية

بعد قرار خادم الحرمين الشريفين تشكيل لجنة عليا لحصر المخالفات والجرائم وقضايا الفساد

مكافحة الفساد في الأجهزة الحكومية.."لا حصانة لمسئول كائناً من كان"

إعداد/ شقران الرشيدي

 

-      أ.د.نايف الوقاع: الفساد يسبب الإخلال بالعدالة الاجتماعية وسوء توزيع الدخل واضعاف الدولة وعدم استقرار المجتمع

-      أ.قينان الغامدي: قرار خادم الحرمين الشريفين بتشكيل لجنة عليا لمكافحة الفساد بداية لمرحلة تاريخية غير مسبوقة لوطن بلا فساد

-      أ.سطام المقرن: سوء التنظيم والبيروقراطية وضعف القيادات وتضارب الاختصاصات وتضخّم الهيكل الإداري عوامل تُفسد بيئة العمل

-      أ.د.نجيب الزامل: منظومة "الحوكمة" تحد من الفساد ويجب التركيز على إصلاحها كاستراتيجية مانعة ووقائية

 

المشاركون في القضية:

-      أ.د.نجيب الزامل، عضو مجلس الشورى السابق، ورجل أعمال

-      أ.د.نايف الوقاع، رئيس قسم الدراسات المدنية والتنمية، وأستاذ الأمن الفكري في كلية خالد العسكرية

-      أ.قينان الغامدي، رئيس تحرير صحيفتي "الوطن"، و"الشرق" سابقا، وكاتب متخصص في الشأن العام

-      أ.سطام المقرن، خبير الرقابة على الأداء الحكومي، ومدرب في ديوان المراقبة العامة والأمانة العامة لدول الخليج والمجموعة العربية لأجهزة الرقابة العليا "آربوساي"

 

 

يعد قرار خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، يحفظه الله، بتشكيل لجنة عليا برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، للقيام بحصر المخالفات والجرائم، والأشخاص، والكيانات ذات العلاقة بقضايا الفساد العام قرارا يُعنَى باجتثاث الفساد من جذوره، وبداية مرحلة جديدة لسيادة القانون والشفافية والمساءلة؛ وذلك بوضع الجميع دون استثناء؛ سواء كان: أميرا، أو وزيرا، أو مواطنا تحت طائلة قانون محاربة الفساد، وتحت سقف المساءلة والمحاسبة والعقاب؛ وهذا بدوره سوف يدعم ويسهّل برامج الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية من أجل مستقبل أفضل، ويدعم كذلك دور الجهات الرقابية كديوان المراقبة العامة، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد "نزاهة" في تولى مسئولياتها بشكل أكبر..وفي هذا العدد من "التنمية الإدارية" نفتح معكم ملف قضية مكافحة الفساد في الأجهزة الحكومية، وتداعياتها المختلفة.

أنواع الفساد

كشفت دراسة حديثة أجرتها "منظمة الشفافية الدولية" عام 2017م-شملت معظم دول العالم-أن أسباب انتشار الفساد متشابهة بشكل عام، وإن اختلفت التفاصيل بين المجتمعات، إلا أنها تتفق على أن الفساد هو سوء استغلال السلطة، والنفوذ لغايات شخصية، أو لتحقيق مكاسب خاصة. وقد أوضحت الدراسة أن الفساد ثلاثة أنواع: الفساد الكبير وهو الفساد الذي يرتكب على مستوى عال من الحكومة، والفساد الصغير وهو الفساد اليومي في الإدارات العامة عبر سوء استغلال السلطة والنفوذ، والفساد السياسي وهو التلاعب بالسياسات والقوانين والقواعد العلمية في عملية تخصيص الموارد المالية للمشاريع.

وأشارت الدراسة إلى أن أبرز الأدوات لقياس الفساد هي: مؤشر دفع الرشوة، ومؤشر الفساد في القطاع العام، ومقياس سيطرة الفساد الذي يبين مدى استخدام السلطة العامة لتحقيق المصلحة الخاصة. ووضعت الدراسة الدانمارك في المركز الأول في الشفافية والنزاهة الدولية، وجاءت فنلندا في المركز الثاني، والسويد ثالثا، تليها نيوزيلندا في المركز الرابع، والنرويج خامساً؛ وكشفت عن أن أسباب احتلال الدول الإسكندنافية المراكز الخمس الأولى في ترتيب النزاهة الدولية يعود إلى تطبيقها "الحوكمة"، كما أكدت الدراسة على أن أكثر من 6 مليار شخص حول العالم يعيشون في ظل حكومات فاسدة.

سلوك غير طبيعي

لكن ما هو بالتحديد الفساد؟ تتعدد التعاريف الرامية لتحديد مفهوم الفساد؛ نظراً لتعدد الأشكال والمظاهر التي يتخذها في مجتمع ما، فيعرف الفساد بأنه "معيار للدلالة على غياب المؤسسات الفعالة في المجتمع"، ويعرف كذلك بأنه "تلك الأعمال التي يمارسها أفراد من خارج الجهاز الحكومي تعود بالفائدة على الموظف العام سواء: بالتهرب من القوانين واللوائح، أو بإلغاء قوانين قائمة تُمكٍن من تحقيق مكاسب مباشرة، أو التهديد والابتزاز من قبل موظف عام في القطاعين العام والخاص". ومهما تعددت التعاريف وتباينت، فالفساد هو سلوك غير طبيعي يحدث عندما يحاول شخص ما وضع مصالحه الخاصة أياً كان موقعه فوق المصلحة العامة، أو فوق القيم التي يتعهد بخدمتها.

ظاهرة عالمية

وتشير الكثير من الدراسات والبحوث المتخصصة إلى استفحال الفساد في السنوات الأخيرة في الدول المتطورة أو الأكثر تقدما،ً وفي الدول النامية، وهو ظاهرة قابلة للانتشار في أي مجتمع بمستويات مختلفة. وأخطر أنواعه: فساد الوزراء، وكبار المدراء، والمسئولين، والقضاة، وتداخل المصالح الشخصية لعينة من هؤلاء فيما بينها حينها يزداد ضررهم على المصلحة العامة وتتعثر المشاريع والخطط التنموية. ويأتي فساد بعض الموظفين في المستويات المتوسطة والدنيا من الهرم الإداري شديد التأثير في المصلحة العامة، عندما تنتشر كظاهرة اجتماعية متعارف عليها في الدوائر الحكومية.

العدو الاول

ويعد الفساد-كما يؤكد خبراء الإدارة والاقتصاد-العدو الأول للتنمية، وبرامج التطوير، وهو ظاهرة معقدة تتداخل فيها قضايا الإدارة، والمال، وتوجب تطويقه، ومكافحته، من خلال إنشاء أجهزة رقابية ذات فعالية وصلاحيات واسعة تتمتع بالاستقلال في عملها بالتعاون مع مختلف المؤسسات الاعلامية لنشر الوعي الاجتماعي، وكشف الممارسات المنحرفة، والتأكيد على القيم الأخلاقية، والإنسانية النزيهة، وتعزيز سيادة القانون، وعدم تجاوزه بأي شكل من الأشكال من قبل كافة أفراد المجتمع.

آثار الفساد

عن أثار الفساد على المجتمع ومخاطره، يقول أ.د.نايف الوقاع رئيس قسم الدراسات المدنية والتنمية، وأستاذ الأمن الفكري في كلية خالد العسكرية: "لقد أيقن العالم أجمع ووقر في عقيدته أن آفة الفساد على اختلاف مظاهرها تُعد المعوَّق الأكبر لكافة محاولات التقدم، والمقوَّض لدعائم التنمية؛ مما يجعل آثار الفساد ومخاطره أشد فتكاً وتأثيراً من أي خلل آخر، فإنه لا يقتصر دوره المخرب على بعض نواحي الحياة دون البعض الآخر، بل يمتد إلى شتى نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، والأمنية".

ويتابع قائلا: "الفساد يسبب الإخلال بالعدالة الاجتماعية، وسوء توزيع الدخل، وازدياد الهوة بين الفئات الغنية والفقيرة، وإضعاف الدولة، والالتفاف على القوانين، وهدر المال العام في مشاريع متعثرة؛ مما يحرم قطاعات هامة مثل: الصحة، والتعليم، والإسكان، والنقل، والخدمات العامة من الاستفادة منها، كذلك الفساد يقصي الشرفاء والكفاءات من الوصول للمناصب القيادية التي يستحقونها. وعلى الصعيد الاجتماعي يؤدي الفساد إلى انهيار النسيج الاجتماعي وإشاعة روح الكراهية بين طبقات وفئات المجتمع؛ نتيجة عدم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص". ويضيف إن الوطن خسر من الفساد والفاسدين مليارات الريالات، وتم توريطه في مشاريع فاسدة صيانتها مكلفة، ولا يمكن أن نسمح بأن يصبح الفساد في مجتمعنا ثقافة تتبلد حوله مشاعر الناس؛ فهذا سيؤدي إلى انهيارات لمؤسسات الدولة بالكامل، ولدينا الآن اللجنة العليا لمكافحة الفساد برئاسة ولي العهد، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد "نزاهة"، والنائب العام، وجهاز أمن الدولة الذين يقومون بجهد كبير في محاربة الفساد والمفسدين.

الفساد الإداري

أما أ.قينان الغامدي رئيس تحرير صحيفتي "الوطن"، و"الشرق" سابقاً، والكاتب المتخصص في الشأن العام فيرى أن الفساد المالي جريمة كبرى لكن هذه الجريمة تقف خلفها جريمة أكبر منها اسمها "الفساد الإداري"، الذي لا يمكن القضاء عليه دون إصلاح إداري جذري يهدف لحماية المال العام، ومحاربة الفساد والمفسدين بشكل عام وعدم التركيز على الهوامش بل الوصول إلى متن الفساد.

ويقول: "إن أمر خادم الحرمين الشريفين بتشكيل لجنة عليا برئاسة ولي العهد، لمكافحة الفساد، والقبض على عدد من الأمراء، والوزراء وكبار رجال المال والأعمال الذين تم اتهامهم بقضايا فساد تتعلق بالمال العام، تمهيدا لمحاكمتهم، كان قرارا تاريخيا بكل المقاييس، وهي ستسجل كبداية لمرحلة غير مسبوقة في تاريخ المملكة منذ تأسيسها، فهي بداية حقيقية لوطن من غير فساد". مطالبا بوضع الإنسان المناسب-المؤهل الكفء القائد-في المكان المناسب لتخصصه وخبرته وقدراته مع وجود هيئات رقابية محاسبية مؤهلة ونزيهة وحيادية. موضحا أن هناك صوراً وأشكالاً متعددة للفساد في القطاع الحكومي. تتمثل في: الرشوة، والاختلاس، والتزوير، والاعتداء على المال العام والتحايل على الأنظمة والقوانين، وأخطر هذه الأنماط-وهو الشائع في الجهات الحكومية-إساءة استعمال السلطة والنفوذ الذي تندرج تحته باقي الجرائم المالية الأخرى؛ مثل الرشوة والاختلاس-على حد تعبيره-.

بيئة الفساد والرشوة

ويوضح أ.سطام المقرن خبير الرقابة على الأداء الحكومي، ومدرب في ديوان المراقبة العامة والأمانة العامة لدول الخليج والمجموعة العربية لأجهزة الرقابة العليا "آربوساي"، أن بعض المسئولين في الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد "نزاهة" يرى أن أهم أسباب انتشار الرشوة في الجهات الحكومية يعود إلى الدخول المتدنية لبعض الموظفين، وبرغم الوجاهة المنطقية لرأي المسئولين في نزاهة حول أسباب انتشار الرشوة، فإنها تتعلق فقط بصغار الموظفين؛ الذين في الغالب يعانون من ضغوط اجتماعية ناتجة عن الحاجة للمال لمجاراة الآخرين، أو بسبب الديون والقروض الشخصية، أو لأسباب أخرى.

ويقول المقرن: "بالنسبة لرشوة كبار الموظفين فإن الأسباب تتمثل في: عدم وجود إقرار للذمة المالية للموظف الحكومي، وكذلك ضعف الشفافية وغياب المساءلة، بالإضافة إلى ضعف أنظمة الرقابة الداخلية في الجهات الحكومية. وهذه الأسباب مجتمعة تؤدي إلى وجود بيئة حاضنة للفساد والرشوة، كما أن سوء التنظيم الإداري وبيروقراطية الجهات الحكومية المتمثلة في: ضعف القيادات الإدارية وتضارب اختصاصاتها وتضخّم الهيكل الإداري والوظيفي، ونقص المهارات الإدارية والقيادية؛ فضلاً عن القيادة المتخلفة والفاسدة؛ جميعها أسباب ودوافع تُفسد بيئة العمل؛ وبالتالي فإن الفساد الكبير في الهرم الإداري يشجّع الفساد الصغير في الإدارة الوسطى والتنفيذية". مشيراً إلى أن دوافع الفساد عادة ما تكون الجشع والطمع وحب السلطة أكثر من كونها مجرد تلبية احتياجات حياتية ضرورية، كما أن مجاراة الوسط الاجتماعي الباذخ الذي يعيشه البعض تعتبر أحد دوافع الفساد.

وعن آثار انتشار الفساد على استقرار المجتمع، يقول سطام المقرن: "يؤدي الفساد إلى تفاقم الفقر وتوسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وحرمان الناس من الحصول على الحقوق الأساسية مثل: الرعاية الصحية والتعليم، ناهيك عن انتشار الجريمة في المجتمع، كما أنه يؤدي إلى وجود شعور باليأس والإحباط؛ بسبب عدم إدانة المسئولين عن الفساد، وعدم محاسبتهم، كما يؤدي إلى الانحلال الخلقي بانتشار طرائق الكسب غير المشروع وتفشي الأساليب الأخلاقية والتهرب من المسئولية؛ مما يجعل الاستقرار الاجتماعي عُرضة لهزات عنيفة وقت الأزمات".

منظومة "الحوكمة"

ومن جانبه يرى أ.د.نجيب الزامل عضو مجلس الشورى السابق، رجل أعمال، أن في كل أنماط وأنواع الفساد تبرز منظومة "الحوكمة" أي هيكل وآليات السلطة والمساءلة، والشفافية، وتحقيق الأهداف، فمنظومة الحوكمة تشكّل البنية الرئيسية التي تحد من الفساد؛ ولهذا يجب التركيز على أهمية إصلاح منظومة الحوكمة كاستراتيجية مانعة ووقائية، مع العمل على تطوير ديوان المراقبة العامة والتحول إلى المراجعة المهنية الميدانية التي تُعَد الأداة الرئيسية لتطبيق المساءلة على أرض الواقع؛ حينها نستطيع تحقيق مبدأيْ الشفافية والمساءلة، وهذا سوف ينعكس بالإيجاب على أداء إدارة المال العام وعلى الأداء المالي للجهات الحكومية.. بعدها نستطيع الانتقال إلى مرحلة أكثر تطوراً، وهي مرحلة الرقابة على أداء الأنشطة والبرامج الحكومية والرقابة على تنفيذ خطط التنمية، والجهات الرقابية الرسمية ليست هي المسؤولة والمختصة بكشف الفساد وحسب، وإنما المواطن أيضاً مسؤول ومختص عن كشفه؛ فالمواطن يعتبر الرقيب الأول على أداء الجهات الحكومية، والوطن للجميع، والمواطن واحد من هذا الجميع.

ويضيف هناك حاجة الأنظمة الحكومية للتحديث والتطوير؛ لمنع استغلالها من الفاسدين، ولكن ليست هنا المشكلة الرئيسية؛ فاهتمام الجهات الحكومية ينصبّ على شكليات مواد ونصوص الأنظمة؛ كونها مطلوبة بموجب النظام دون الالتفات إلى النتائج؛ وبالتالي الالتفاف حول الأنظمة واللوائح دون تحديد المسؤولية، ناهيك عن ضعف الرقابة عليها مهما تم إجراء أية تحديثات عليها، فالسلطات التقديرية لصاحب الصلاحية لم يتم الالتفات إليها، على الرغم من دورها الكبير في قضايا الفساد، والتي في الحقيقة أصبحت سلطات مطلقة بدون أي قيود نظامية وبدون أية محاسبة أو مساءلة.

ويقول الزامل: "في الحرب على الفساد لا يمكن النجاح إلا بثورة على البيئة الحاضنة، وبالذهاب فورا لتجفيف المستنقع. نـحن-وعند الحديث عن الفساد-دائما ما نتحدث عن القانون والأنظمة الكابحة، ونَغفَل تماما عن المنظومة الإدارية في قمة هرم كل وزارة وإدارة حكومية، فأكثر الوزراء نزاهة وشراسة في محاربة الفساد لن يفعل شيئا ونحن نرميه في وسط محيط إداري فاسد بالكامل، فالفساد استشرى، وحان وقت اجتثاثه".



 
جميع الحقوق محفوظة لمعهد الإدارة العامة © 2010