العدد 147   صفر 1439هـ
الرئيسية تعريف بالموقع هيئة التحرير اتصل بنا أرشيف الأعداد السابقة
 
مقالات
حوار
القضية
تقرير
أوراق علمية
تحقيق
>> تقرير

من البرامج الأساسية في رؤية المملكة 2030 ويزيد من حركية العمل

كفاءة رأس المال البشري..الطريق لزيادة الإنتاجية ودعم الاقتصاد الوطني

اعداد: د.سامح الشريف

 

 

 

 

·        الاستثمار في العنصر البشري أفضل استثمار لبناء اقتصاد قوي مزدهر

·        رأس المال البشري مصدر للابتكار واستراتيجية للتجديد وكفاءته مهمة لزيادة الإنتاج والتوظيف

·        القوى البشرية تحول الثروات من مجرد كميات نوعية إلى طاقات تكنولوجية متنوعة تحقق التقدم

·        "نتعلم لنعمل" أحد ركائز رؤية 2030 لتزويد المواطنين بالمعارف والمهارات اللازمة لوظائف المستقبل

 


"تعتبر الموارد البشرية من المقاييس الأساسية التي تقاس بها ثروة الأمم باعتبار أن هذه الموارد على رأس المكونات الرأسمالية والأصول المؤثرة في الوضع الاقتصادي والاجتماعي للدول، حيث أصبح العنصر البشري ودرجة كفاءته هو العامل الحاسم لتحقيق التقدم". في هذا التقرير نتعرف على: مفهوم رأس المال البشري، وجذور الاهتمام به واكتشافه، وجوانب أهميته والاستثمار في رأس المال البشري، وعلاقته بالقضاء على البطالة بين الشباب، كما نلقي الضوء على دور رأس المال البشري في رؤية المملكة العربية السعودية 2030.


قيمة مضافة

يعرف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي رأس المال البشري بأنه" كل ما يزيد من إنتاجية العمال والموظفين من خلال المهارات المعرفية والتقنية التي يكتسبوها، أي من خلال العلم والخبرة". ومن الواضح أن رأس المال البشري يختلف عن رأس المال المادي من ناحية أساسية هي أنه غير مادي بطبيعته، على الرغم مما لرأس المال البشري من دور كبير في زيادة الإنتاج الاقتصادي من سلع وخدمات.

يفهم من هذا التعريف، وفقاً لدراسة أعدتها بشيري فايزة بعنوان "دور الخدمات الاستشارية في تحسين كفاءة رأس المال البشري"، أنه عبارة عن هذه القيمة المضافة على إنتاجية العمال والمتأتية من مصادر غير مادية تتمثل أساسا في العلم والخبرة.

ويعرف قاموس المعجم الوسيط رأس المال Capital بشكل عام بأنه مجموعة من السلع التي تستخدم في الإنتاج والتي سبق إنتاجها من قبل، وموارد الشخص الطبيعي أو الاعتباري كالمعدات والمهارة والأموال، وصافي موجودات أو أصول الشركة بما فيها جميع الأرباح المحتجزة، وهو أحد عوامل الإنتاج الرئيسة منها الأرض والعمل، وكذلك المال المستثمر في الشركة. أما رأس المال البشري Human Capital فيعرفه المعجم الوسيط بأنه قيمة موظّفي الشركة وقدرتهم الإنتاجية فهم رأسمالها البشري.

ويؤكد عصام الدين متولي وصلاح علي أحمد في بحثهما المعنون "مفهوم ونماذج القياس المحاسبي لرأس المال الفكري" أن رأس المال البشري يعد العنصر العام في رأس المال الفكري لكونه يعد محرك الإبداع والمورد الحاسم للقيمة غير الملموسة في عمر المعرفة، ويتمثل في القوى العاملة التي تمتلك القدرة والتفكير والتجديد والابتكار وذلك بفعل المعرفة الضمنية الكامنة في أذهان العاملين. ويعرف رأس المال البشري من المنظور الفردي بأنه حصيلة تفاعل أربعة عناصر هي: التعليم، والإرث التاريخي، والتجارب والخبرات، وأخيراً مواقف الفرد خلال حياته وعمله، أما من منظور المنظمة يعد رأس المال البشري مصدر للابتكار واستراتيجية للتجديد، إضافة إلى الكفاءة والذكاء والقدرة الاجتماعية للتفاعل والاقتران مع الآخرين في الأداء والتميز. وينسب رأس المال البشري في المنظمة إلى المعارف والمهارات والخبرات المتراكمة عند العاملين التي تخلق مهارات القيادة والقدرة على حل المشاكل واتخاذ القرارات الرشيدة والتعامل مع المخاطر، وعليه فهو يعكس فاعلية المنظمة في إدارة مواردها الملموسة وغير الملموسة للحصول على الخبرة والثقافة والمعرفة اللازمة لتحقيق الميزة التنافسية وخلق القيمة.

ويعتبر رأس المال البشرى أحد مكونات رأس المال الفكري وتحصل المنظمة على مساهماته في العمل بدون أن تتملكه بشكل مباشر، ويتشكل من المعرفة والمهارات والقدرات الذاتية التي يمتلكها الأفراد مثل المبادأة والابتكار.

وعلى ذلك يظهر الاختلاف بين رأس المال البشرى ورأس المال الهيكلي، فالمعرفة والمهارات في عقول الأفراد تمثل رأس المال البشرى، وتتحول إلى رأس مال هيكلي فقط إذا تم نقلها وتحويلها وتكويدها في مستندات متنوعة بالمنظمة.

استثمار وطني

أكد علماء الاقتصاد منذ وقت طويل أهمية تنمية الموارد البشرية في تحقيق النمو الاقتصادي، ووفقاً لورقة عمل أعدتها الغرفة التجارية الصناعية بالرياض بعنوان "الاستثمار في رأس المال البشري"، ذكر "آدم سميث" في كتابه الشهير "ثروة الأمم" أن كافة القدرات المكتسبة والنافعة لدى سائر أعضاء المجتمع تعتبر ركنا أساسيا في مفهوم رأس المال الثابت، حقيقة أن اكتساب القدرة أثناء التعلم يكلف نفقات مالية، ومع ذلك تعد هذه المواهب جزءا هاما من ثروة الفرد التي تشكل بدورها جزءا رئيسا من ثروة المجتمع الذي ينتمي إليه. كما أكد " الفريد مارشال" أهمية الاستثمار في رأس المال البشري باعتباره استثمارا وطنيا وفي رأيه أن أعلى أنواع رأس المال قيمة هو رأس المال الذي يستثمر في الإنسان، إذ عن طريق الإنسان تتقدم الأمم، والاقتصاد ذاته ذو قيمة محدودة إن لم يستغل في سبيل التقدم وذلك عن طريق القوى البشرية التي تحول الثروات من مجرد كميات نوعية إلى طاقات تكنولوجية متنوعة تحقق التقدم المنشود.

إن النظرة إلى العنصر البشري كأحد عناصر الإنتاج، وفقاً لما يؤكد محمد الجهني بمجلة المعرفة، ليست بالجديدة، فهي من الأفكار الكلاسيكية لاقتصاديين كلاسيكيين كآدم سميث وألفريد مارشال وغيرهما. فقد افترضت نظرية رأس المال البشري في البداية أن النمو الاقتصادي لا يمكن ردّه في المجمل إلى المدخلات المادية في العملية الإنتاجية وإنما يُرد – علاوة على ذلك – إلى تراكم المهارة والمعرفة لدى الأفراد العاملين، وهذا الأمر الأخير يفسّر النمو الاقتصادي الناجم عن غير الموارد المادية، وبذلك سيقت نظرية رأس المال البشري إلى الافتراض بأن التعليم شكل من الاستثمار الذي يتخلى فيه الفرد أو المجتمع عن عوائد حاضرة لأجل عوائد محتملة، بحيث تكون العوائد المحتملة في المستقبل أكبر من العوائد التي تم التخلي عنها في الوقت الراهن. والاستثمار الجيد في التعليم هو الذي يقلل التكاليف ويعظّم -في نفس الوقت-العوائد المتأخرة على التكلفة الآنية. سواء كانت التكلفة مباشرة وهي تكلفة الأموال والموارد المادية والبشرية المنفقة على التعليم بشكل مباشر، أو تكلفة غير مباشرة وهي ما يتخلى عنه الفرد أو المجتمع من فرص اقتصادية أخرى؛ نتيجة لاتخاذه قراراً بالاستثمار في ذاته عن طريق الانتظام في التعليم وممارسة التعلّم.

ويؤكد عماد الدين المصبح في بحثه عن "قياس عائد الاستثمار في رأس المال البشري" على أن التغيرات في بناء الاقتصاد العالمي من جهة، وتزايد الحديث عن الثورة المعرفية من جهة أخرى، أنتجا بيئة تعتبر أن المعلومات والمهارات والتعليم والتدريب سلعًا لها قيمتها الكبيرة. وهذا الاتجاه لم ينعكس فقط على التغيرات في مطالب التوظيف الحالي والتي يطلب فيها المزيد من التعليم لدخول عالم التوظيف وسوق العمل، بل تسبب في زيادة الجهود للحفاظ على الموظف وتدريبه ورفع مستوى المعلومات والمهارات المتعلقة بالعمل، وكان السبب في نمو الاتجاه نحو التعليم ومصادره الفكرة القائلة بأن اقتصاد المجتمع مرتبط بطريقة أو بأخرى بالتعليم والتدريب. وهذه الفكرة تجدها في نظرية رأس المال البشري والتي تقول إن المعلومات والمهارات في مكان العمل تمثل مصدرًا مهمًا للسوق، وربما يكون الشخص الأكثر شهرة من أنصار نظرية رأس المال البشري الاقتصادي شولتز الذي فاز بجائزة نوبل.

التوظيف والبطالة

وتشير دراسة سميرة عبد الصمد وسهام العقون بعنوان "الاستثمار في رأس المال البشـري ودوره في تخفيـض البطـالـة: مدخل مواءمة التعليم الجامعي مع متطلبات سوق العمل المحلية" إلى تعدد الأهداف المبتغاة من استثمار العنصر البشري إلى أهداف اقتصادية واجتماعية وسياسية، وتتداخل هذه الأهداف بعضها مع البعض الآخر ولا يمكن فصلها عن بعضها، ولذلك يرى بعض الاقتصاديين أن الإنفاق على الإنسان هو إنفاق استثماري بحت من حيث: مساعدته على زيادة الإنتاج، وتحقيق التوظيف، وغير ذلك من أهداف.

وتؤكدان على أن هدف تحقيق التوظيف يقع على رأس الأهداف التي توليها مختلف الدول أهمية كبرى وتدرجها في سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى سياستها النقدية والمالية. ويترجم هذا الهدف أساسا في إيجاد فرص عمل مناسبة للأفراد، ويكون ذلك عن طريق الملاءمة بين رغبات أصحاب الأعمال وما يحتاجونه من مهارات وكفاءات؛ تنتج عن الاستثمار في رأس المال البشري سواء عن طريق التعليم أو التدريب أو غيرها، وبالتالي تكون العمالة المطلوبة في السوق على قدر كبير من المهارة فتزداد الإنتاجية.

ووفقاً لدراسة عبد الصمد والعقون، يرى "وايزبرود" أن فرص العمل تتسع أمام الأفراد المتعلمين بمعدلات أكبر من الأفراد غير المتعلمين، كما أن هذه الفرص تختلف باختلاف المرحلة التعليمية التي يصل إليها الفرد.  وهذا ما أكدته الكثير من الدراسات. فعلى سبيل المثال أوضحت بعض الدراسات أن النسبة المئوية لمعدل البطالة خلال الستينات في كندا قد بلغت نسبته 18.7% للأفراد الذين لم يكملوا الدراسة الابتدائية، في حين وصلت هذه النسبة إلى 2.7% للأفراد الذين أنهوا المرحلة الثانوية، وتشير هذه الإحصائيات إلى أنه خلال نفس الفترة في الولايات المتحدة الأمريكية قد بلغ معدل البطالة للأفراد الذين تلقوا تعليما لمدة 8 سنوات حوالي7.2% في حين بلغ هذا المعدل 1.5% للأفراد الذين أكملوا 18 عاما من الدراسة.

إن الاستثمار في العنصر البشري يؤدي إلى زيادة حركية عنصر العمل فبمجرد أن يحصل الفرد على علومه ومعارفه فإنه يشعر بالرغبة القوية في ترك القطاع الذي يتصف بالإنتاجية المتدهورة إلى القطاع الذي تتوفر فيه فرص العمل المناسبة، ويلعب التعليم دورا هاما في ذلك فكلما زادت درجة تعليم الفرد كانت فرصته أكبر وأوفر في الالتحاق بالأعمال الأكثر ملاءمة له.

وبذلك فإن نظرية رأس المال البشري تقدم تحليلا منطقيا مفسرا للبطالة، ذلك أن كل فرد يعتبر مكونا لرأس مال في التكوين والتعلّم، فالنظرية تفترض أن هناك أشخاصًا ليس لديهم تكوينًا أو تعليمًا، وهو ما يؤدي إلى خلق نقص في رأس مالهم البشري، حيث لا يستطيعون التوافق مع متطلبات سوق العمل، والنتيجة هي أنهم سيكونون في حالة بطالة.

 

 

رؤية 2030

إدراكاً لأهمية رأس المال البشري ودوره المهم في الاقتصاد والمجتمع؛ فكان من البرامج الأساسية في رؤية المملكة 2030 برنامج رأس المال البشري والذي ينص على: "نظراً لكون العنصر البشري عاملاً أساسياً لنجاح المشروعات، سنعمل على تأسيس برنامج متخصص لدعم وتفعيل هذا العنصر المهم. وسيُعنى البرنامج بقياس كفاءة رأس المال البشري في القطاع العام وتقويمها وتحليلها، والمساندة في توفير الكوادر والدراسات والاستشارات والشراكات الاستراتيجية المتعلقة برأس المال البشري، والمساعدة في الاختيار والتطبيق لتحقيق الأهداف الاستراتيجية".

لقد كانت إحدى المبادئ المهمة التي نصت عليها الرؤية مبدأ "نتعلم لنعمل"، وذلك من خلال "مواصلة الاستثمار في التعليم والتدريب وتزويد أبنائنا بالمعارف والمهارات اللازمة لوظائف المستقبل. وسيكون هدفنا أن يحصل كل طفل سعودي -أينما كان -على فرص التعليم الجيد وفق خيارات متنوعة، وسيكون تركيزنا أكبر على مراحل التعليم المبكّر، وعلى تأهيل المدرسين والقيادات التربوية وتدريبهم وتطوير المناهج الدراسية، كما سنعزز جهودنا في مواءمة مخرجات المنظومة التعليمية مع احتياجات سوق العمل، حيث تم إطلاق البوابة الوطنية للعمل "طاقات"، وسنؤسس مجالس مهنية خاصة بكل قطاع تنموي تعنى بتحديد ما يحتاجه من المهارات والمعارف، وسنتوسع في التدريب المهني؛ لدفع عجلة التنمية الاقتصادية، مع تركيز فرص الابتعاث على المجالات التي تخدم الاقتصاد الوطني وفي التخصصات النوعيّة في الجامعات العالميّة المرموقة، وسنركز على الابتكار في التقنيات المتطورة وفي ريادة الأعمال".

وبذلك يتضح حرص رؤية السعودية 2030 على تطوير وتأهيل رأس المال البشري السعودي، من خلال التعليم والتدريب؛ كي يكون أحد العناصر المهمة لبناء اقتصاد قوي مزدهر إيماناً بأن الاستثمار في العنصر البشري هو أفضل أنواع الاستثمار.

 

 

 

 



 
جميع الحقوق محفوظة لمعهد الإدارة العامة © 2010